المركزية- يتمخّض الاستحقاق الرئاسيّ من دون أن يلد، خصوصا أنّ الأجواء المحيطة بجلسة الأسبوع المقبل لا توحي بأنّ الدخان الأبيض الرئاسيّ سيتصاعد في القريب العاجل.
وفيما التخبّط السياسيّ على جبهة الرئاسة لا زال سيد الموقف، ينتظر الداخل استحقاقات داهمة في الاشهر المقبلة تحتاج الى انتظام العمل المؤسساتي في السلطة بدءا من انتخاب رئيس الى تشكيل حكومة جديدة.
المراكز المرتقب شغورها هي وفق ما يشير الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين لـ”المركزية” هي:
لدى الطائفة المارونية:
– قائد الجيش ١٥-١-٢٠٢٤
– حاكم مصرف لبنان ٣١-٧- ٢٠٢٣
لدى الطائفة السنية:
– مدير عام اوجيرو 15 – 11- 2024
– مدير عام قوى الامن الداخلي 15 – 5 – 2024
– مدعي عام التمييز 2- 2 – 2024
لدى الطائفة الشيعية:
– رئيس المجلس الأعلى للجمارك 31 – 7 – 2023
لدى طائفة الموحدين الدروز:
– مدير عام تعاونية موظفي الدولة: 16 – 12 – 2024
ولكن، ماذا لو استمر الشغور في سدّة الرئاسة، وأيّ صلاحيات لحكومة تصريف الأعمال في هذا الإطار؟ وما هو المعيار الذي يحدد تلك الصلاحيات وتبادر من خلالها الى التعيين أم لا؟!
يوضح رئيس مؤسسة “جوستيسيا” الحقوقية الدكتور بول مرقص لـ “المركزية” أنّ “تعيينات الفئة الأولى هي من الموضوعات الأساسية المنصوص عليها في المادة 65 من الدستور، والتي تتطلّب أكثرية ثلثي عدد أعضاء مجلس الوزراء”، لافتا الى أنّ “القيام بهذه التعيينات من قبل حكومة تصريف الأعمال من شأنه أن يعيد إحياء الجدال الدستوري القائم حول مدى جواز صلاحية حكومة تصريف الأعمال إجراء تعيينات من الفئة الأولى”.
وعن الاستثناءات، يقول: “لحكومة تصريف الأعمال الحق بالقيام بالأعمال الادارية فقط، ولا يحقّ لها القيام بالأعمال التصرفيّة، إلا أنّ في بعض حالات الشغور، وتلافيا للضرّر المحدق بالمرافق العامة التي يرأسها من تنتهي ولايته، فإن كان من المتعذّر حسب القوانين والأنظمة الداخلية لهذه المؤسسات أن يقوم المدير بالانابة أو المسؤول بالإنابة بهذه المهام الموكلة الى الأصيل فإنه على حكومة تصريف الأعمال، ولو كانت بهذه الصفة، أن تبادر الى التعيين الذي يصبح بدوره غير قابل للتأجيل الى حين تأليف حكومة أصيلة”، مشيرا الى أن هذا التعيين ينقلب من صلاحية الى موجب يقع على عاتق حكومة تصريف الأعمال تلافيا للضرر.
ويُعطي مرقص أمثلة عن سوابق بتولي عدد من مسؤولي المؤسسات مهام الأصيل، كما حصل مع رئيس الأركان عند شغور منصب قائد الجيش لبضعة أشهر”.
أمّا بالنسبة الى حاكمية مصرف لبنان فتجيز المادة 25 من قانون النقد والتسليم لنائبه الأوّل بتسلّم مهامه، إلّا أنه في الفرضية الأخيرة مثلا اذا استقال نائب الحاكم الأوّل، ورفض تولي مهام الحاكم فإنّ المادة 27 من القانون عينه لا تجيز بالضرورة لنواب الحاكم الآخرين أن يقوموا بهذه المهام، والنصّ غير واضح لهذه الناحية إذ يذكر هذا عبارة “تعذّر” وليس انتهاء الولاية والفرق كبير مما يفتح المجال أمام اشكاليات جديدة في التفسير”…
أبعد من الفراغ الرئاسي، تُشكل الازمة التي تعيشها البلاد أرضية خصبة لانهيار مؤسسات الدولة حيث تتهاوى القطاعات بفعل الضربات المُركزة التي توجهها الطبقة السياسية بفعل سياساتها التدميرية، وعوض الذهاب نحو انتخاب رئيس للبلاد ليكون الخطوة الاولى للانتظام العام، ها هو عداد جلسات الانتخاب يسجل مزيدا من الارقام في دولة كانت حتى الامس القريب تتباهى بمؤسسات وقطاعات كانت الرائدة في المنطقة.
ازدادت وتيرة اجتماعات الحكومة في الفترة الأخيرة، وعادت أسبوعية كما لو أنها حكومة مكتملة الأوصاف، لا حكومة منتهية الولاية ومستقيلة، ولا تحظى بثقة مجلس النواب وهي خارج المحاسبة برلمانياً.
في الجلسة ما قبل الأخيرة شمل جدول أعمال #مجلس الوزراء أكثر من سبعين بنداً، وجلسة الأربعاء شملت أكثر من 25 بنداً، أغلبها بعيد كل البعد عن الطارئ والضروري والملحّ، المفترض أن تكون فقط من اختصاصها.
وبالنظر الى جدول الأعمال الأخير فإنه يشمل بنوداً عن اتفاقية للتعاون مع النمسا في أمور تختص بالشرطة، إضافة الى تحفيزات تتعلق بالمشروع الاستثماري، واستثمار عقارات في سوليدير وإصدار طابع عن “بيروت عاصمة الإعلام العربي” وإعطاء رخصة لمؤسسة صيدون لمختبرات الأسنان، والكثير من البنود، ككفّ يد مدير عام بسبب خلافه مع وزير، وفرض ضرائب على الرخام يصح تصنيفها بالأمور الثانوية لحكومة طبيعية مكتملة الصلاحيات القانونية والدستورية. وصدرت خلال أشهر قليلة مئات المراسيم الصادرة عن رئيس الحكومة بتوقيع وزير المالية والوزير المختص تتعلق بتوظيفات وتعيينات وصرف وغيرها من الأمور.
وبعكس الجلسة الأولى التي تلت الفراغ الرئاسي، وانعقدت فيها الحكومة بنصاب “على آخر نفس” نتيجة كسر وزير الصناعة جورج بوشكيان قرار حزبه والمشاركة في الاجتماع، دخل وزراء “حزب الله” الى الجلسة وشاركوا ببند واحد يختصّ بمرضى السرطان قبل أن يخرجوا على الرغم من أنه كانت هناك بنود تتعلق بالمساعدات الاجتماعية يمكن وصفها بالضرورية، أما اليوم فالأمور مختلفة، ففي الشكل لم يبق مقاطعاً للمجلس سوى الوزراء المحسوبين مباشرة على رئيس الجمهورية السابق #ميشال عون، في مقابل عودة الوزراء المشتركين الى الحكومة كوزير السياحة وليد نصار المقرب من ميقاتي أكثر من عون، ووزير المهجرين عصام شرف الدين المنتمي للحزب الديموقراطي اللبناني برئاسة طلال ارسلان، ووزير الاقتصاد أمين سلام الذي وُزّر بصفقة اللحظة الأخيرة بالاتفاق بين طه ميقاتي والنائب
أما في المضمون فلم يعد أحد من المشاركين في الجلسة معترضاً على جدول الأعمال الفضفاض وغير الضروري، لا بل بدا أن هناك من تقصّد السير بالحكومة كما هي، بشكل طبيعي وعادي باجتماعات دورية ومتتالية وبجدول أعمال مكتمل، وبالتالي بعث برسالة واضحة لكل معترض بأن الدولة تسير برضاه أو باعتراضه، واللافت هو تغطية “حزب الله” لهذا الأمر، وهو الذي حاصر حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في السابق وفي الشارع لفترة سنتين بحجة فقدانها الميثاقية الطائفية، وبعدما كان وضع شروطاً قاسية في البداية على اجتماع الحكومة، عاد ليوافق ويشارك بفاعلية بحكومة لا تمثيل سياسياً مسيحياً حقيقياً فيها وبغياب رئيس الجمهورية، وأتى هذا الأمر بعد تدهور العلاقة مع التيار الوطني الحر والاختلاف على ملف رئاسة الجمهورية، وتحمل هذه الرسائل معاني كثيرة أهمها أننا نستطيع الاستمرار في إدارة الدولة ولدينا الوقت المفتوح وسياسة الاعتراض لم تؤدّ الى نتيجة، وما عليكم سوى أن تعودوا إلينا.
وذهب التحالف “الممانع” الى أبعد من ذلك، وهو الموافقة على طلبات ومشاريع قوانين لطالما طالب بها “التيار” الوطني بالذات ورُفضت وعُرقلت أثناء تولي ميشال عون رئاسة الجمهورية ومنها ترقية دورة ضباط 1994 التي كانت مدار مطالبات طويلة من عون شخصياً وفريقه السياسي قابلها رفض قاطع من بري ووزراء ماليته، وهذا ما دفع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الى ردّ متوتر وعالي السقف اليوم، وقال “الضباط العمداء، دورة الأبطال لعام ٩٤، حصلتم على حقكم الطبيعي المستحق من حينه قانوناً بعدما حرموكم منه سنين بسبب النكد والظلم، وهيدي صفات الناس يلّي عم يربّحوكم جميلة اليوم”! وأضاف: “حرموكم حقكم سنين نكاية فينا وعم يعطوكم ياه اليوم حتّى يعلّموا علينا”.
وتابع: “انتو اشتكيتوا وانتو ربحتوا، وبوقاحة عم يمنّنوكم؛ بدّهم يطلعوا على ضهركم، ومنقلّن حلّوا عن ضهرنا”.
واليوم رفع رئيس الحكومة سقف المواجهة مستنداً الى روحية قرار المجلس الدستوري الأخير المُتعلّق برد الطعن بقانون التمديد للمَجالس البلديّة والاختياريّة، الذي أكد مَبدأ استمراريّة المِرفق العام ذي القيمة الدستوريّة وتشديد المجلس الدستوري على وجوب انعقاد الحكومة بهيئة تصريف الأعمال، ومُمارستها لصلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً حتّى لو كانت في مرحلة تصريف أعمال، مؤكداً عدم وجود ما يُسمّى صلاحيات لَصيقة بشخص رئيس الجمهوريّة لا يُمكن للحكومة مُمارستها وكالةً، ودستورية الآليّة المعتمدة لعقد جلسات مجلس الوزراء وإتّخاذ القرارات المناسبة.
هذا السقف المرتفع، استوجب رداً من “القوات اللبنانية” التي لم ترفض سابقاً اجتماع الحكومة لا بل أمنت لها التغطية في بعض القرارات، وهذا ما أحرج رئيسها سمير جعجع فشدّد في بيان على أن “صون المؤسّسات لا يكون بالقفز فوق الدستور، ولا باستغلال الوضع الاستثنائي الذي تعيشه البلاد من أجل القيام بأعمال لا تمتّ إلى تصريف الأعمال بصلة”.
ولفت إلى أنّ “إصرار الأكثريّة الوزاريّة الحاليّة المكوّنة من أحزاب الممانعة وحلفائها على تجاوز الدستور على الصعيدين الوزاري والنيابي يتحمّل مسؤولية تدهور أوضاع البلاد وجرّ الشعب اللبناني إلى ما هو أسوأ ممّا يعيشه اليوم”.
وصعّد “التيار الوطني الحر” حملته على الحكومة ايضاً محمّلاً ميقاتي والفريق السياسي الداعم له مسؤولية ما سمّاه “الإمعان في انتهاك توازنات الميثاق الوطني والمخالفة الصريحة للدستور بسبب الإصرار على عقد جلسات لمجلس الوزراء تستبيح الشراكة الميثاقية وتتخطى حدود تصريف الأعمال وتهدّم ما بقي من بنيان مؤسسات الدولة”.
وتوقف عند “وقاحة إصدار حكومة تصريف الأعمال المستقيلة والمنقوصة ما يزيد عن 627 مرسوماً معظمها لا طارئ ولا حتّى ضروري”.
هذا في السياسة، أما في الدستور فيرى رئيس مؤسسة JUSTICIA الحقوقية المحامي الدكتور بول مرقص أنه بصرف النظر عن قرار المجلس الدستوري الذي يتمسك به رئيس الحكومة المستقيلة من جهة موقع أو صلاحيات رئيس الجمهورية لجهة ممارسة الحكومة صلاحيات الرئيس بحالة الشغور الرئاسي، فإن ذلك لا ينفي وجود صلاحيات لصيقة بشخص الرئيس وتسمّى تحديداً باللغة الفرنسية Domaine réservé au president ولا يجوز للحكومة ممارستها عن رئيس الجمهورية بحيث إن الوكالة المعطاة لها بموجب المادة 62 من الدستور هي وكالة عامة ولا تنص على ممارسة صلاحيات فيها سلطة تقريرية لرئيس الجمهورية، ومن ذلك على سبيل المثال التقدم بمراجعة طعن بالقوانين لعلة عدم الدستورية أمام المجلس الدستوري فهذه صلاحية لصيقة بشخص الرئيس ولا تنتقل وكالة الى مجلس الوزراء.
(صورة عن نسخة من قرار المجلس الدستوري الذي اعتمد عليه رئيس الحكومة لتبرير استمرار اجتماعاتها)
ويقول لـ”النهار”: “إن ممارسة الحكومة لصلاحيات الرئيس يجب أن تكون بالحد الأدنى والضروري اللازم لاستمرار المرفق العام، ولا يجوز التقدير فيها أو تأجيلها تجنباً لهذا الضرر”.
واذ يوافق مرقص على الجزء الاول من كلام ميقاتي عن ضرورة استمرار المؤسسات، لا يوافق ميقاتي على عدم وجود صلاحيات لصيقة بشخص رئيس الجمهورية. https://www.annahar.com/arabic/section/76-سياسة/21062023053214387/جداول-أعمال-الحكومة-الفضفاضة-رسائل-سياسية-تتخطى-الطارئ-والملح
يصر «التيار الوطني الحر»، الذي يدفع منذ فترة لإقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة باعتباره يخضع للتحقيق في الداخل والخارج بتهم فساد، على وجوب تعيين «حارس قضائي» يحل مكانه حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، كونه يعتبر أيضاً أن حكومة تصريف الأعمال الحالية غير مخولة تعيين حاكم بديل.
وبعد إصدار مذكرة توقيف دولية بحق سلامة الأسبوع الماضي، وهو الذي تنتهي ولايته الخامسة نهاية شهر يوليو (تموز) المقبل، بدأت المشاورات والنقاشات الجدية لتحديد كيفية وجوب تعامل لبنان الرسمي مع هذه المستجدات في ظل انقسام القوى السياسية بين من يفضل انتظار انتهاء ولاية سلامة بعد شهرين وبين من يصر على وجوب أن تعين الحكومة بديلاً عنه بأسرع وقت ممكن، وبين من يدعو لتعيين حارس قضائي حتى انتخاب رئيس وتشكيل حكومة جديدة، في ظل إصرار الحاكم الحالي على عدم الاستقالة لاعتباره أن ذلك يثبّت أنه مرتكب.
وفي إطلالة تلفزيونية له الأسبوع الماضي، اعتبر رئيس الجمهورية السابق ميشال عون أن «ولاية رياض سلامة انتهت مع صدور مذكرة التوقيف بحقّه وكان يفترض أن تنتهي منذ بدء التحقيقات في ملفّه، فسمعة حاكم البنك المركزي يجب أن تكون كالماس لا كالذهب، بمعنى أن تكون شفافة جداً».
وأشار إلى أن «الإجراء الذي يمكن اتخاذه اليوم يتراوح بين خيارين، إما أن يتسلّم نائب الحاكم الأول، وهو يتمنّع عن ذلك، وإما أن يتمّ تعيين حارس قضائي، إذ لا يمكن لحكومة تصريف الأعمال تعيين بديل».
ورغم إعلان رئيس البرلمان نبيه بري صراحة أنه طلب من النائب الأول للحاكم (الشيعي) وسيم منصوري، عدم تحمل المسؤولية بعد انتهاء ولاية سلامة، فإنه وبحسب مصادر «الثنائي الشيعي»، يعتبر أن «هذا الخيار عاد ليتقدم مع تعذر السير بأي خيارات أخرى». وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «إذا تقرر السير به، فسيتم الإعلان عنه في الربع ساعة الأخيرة قبل انتهاء ولاية سلامة وسيحصل على مضض، ولأن ذلك ما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا».
أما خيار تعيين حارس قضائي، فيوضح رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية المحامي الدكتور بول مرقص، أنه «أمر قد ينظر إليه على أنه تعد من السلطة القضائية، وعلى سلطة وصلاحية مجلس الوزراء الذي يعود إليه تعيين حاكم لمصرف لبنان، بحيث يجب على قدر المستطاع الاحتفاظ بفصل السلطات في النظام الديمقراطي، حيث يكون لكل سلطة دورها واختصاصها، فلا تتعدى أي سلطة على صلاحيات مكّرسة ومنصوص عليها في القانون لمصلحة سلطة أخرى. كما أن المصلحة العامة والوطنية تتطلب تعيين حاكم جدير لولادة ثابتة يمكنه إدارة ومعالجة الأزمة النقدية وليس الحراسة فحسب، في موقع جوهري وحساس كمنصب حاكم لمصرف لبنان».
والحراسة القضائية، هي إجراء قضائي وتدبير احترازي مؤقت، وتتمثل في إيداع ما قد يكون متنازعاً عليه من أموال منقولة أو غير منقولة في يد شخص ثالث. وسنداً لقانون الموجبات والعقود، يعهد في الحراسة إلى شخص يتفق جميع ذوي الشأن على تعيينه، كما يمكن أن يعينه القاضي الذي يمكنه أن يقرر تعيين حارس للشيء الذي يكون موضوع نزاع.
ويعتبر مرقص في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «للحارس القضائي مهمة محدّدة في قرار تعيينه، أي أنه بمثابة مدير إداري مؤقت، ومن الصعب والمستبعد أن تشمل مهمته رسم السياسة النقدية للبلاد، وفق ما تنص عليه المادة 70 من قانون النقد والتسليف، كالحفاظ على سلامة النقد اللبناني وسلامة أوضاع النظام المصرفي، وغيرها من المهام التي تتطلب وجود حاكم بولاية كاملة مستقرة وذي خبرة ومؤهلات، ما يجعل عملية تعيين حاكم في هذه الظروف المالية العصيبة أمراً ضرورياً جداً».
ويدفع حزب «القوات اللبنانية» أيضاً باتجاه تعيين حاكم جديد لـ«المركزي». وتقول مصادره لـ«الشرق الأوسط»: «أمام الوضع المستجد لجهة إصدار مذكرة توقيف دولية بحق سلامة، باتت استقالته وتعيين بديل عنه ضرورة خاصة، لأن المسألة اللبنانية مرتبطة بهيئات دولية، أضف إلى أن هذا الموقع يعطي ثقة، ونحن في أزمة مالية كبيرة، ودور الحاكمية أساسي للخروج منها»، مشددة على وجوب أن يشكل «أي بديل تغييراً جذرياً». وعن رفض «التيار» أن تعين حكومة تصريف أعمال حاكماً جديداً، تشير المصادر إلى أن «الأوضاع والأمور الاستثنائية تتطلب تدابير استثنائية».
بمعزلٍ عن كل السيناريوهات والإجتهادات التي تضجّ بها الساحة الداخلية منذ صدور مذكرة توقيف فرنسية بحق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، فإن الثابت قانوناً أن ما من حكم ٍ قضائي فرنسي أو لبناني بحق سلامة، وأن لبنان غير ملزم بتطبيق مذكرة الإنتربول وتسليمه إلى الفرنسيين أو إلى غيرهم. ولكن هذا الواقع لا يعني أنه سيكون من السهل على سلامة، الطعن بالإجراءات القضائية الفرنسية، بحسب ما يكشف عميد كلية العلاقات الدولية في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ ورئيس مؤسسة “JUSTICIA” الدكتور بول مرقص.
ويؤكد العميد مرقص لـ”ليبانون ديبايت”، أنه اذا لم يحضر الحاكم إلى فرنسا سيحاكم غيابياً، وقد تصدر بحقه مذكرة توقيف ثانية، موضحاً أن ما من إدعاء مباشر على سلامة اليوم إلا في حال عدم توقيفه فيصبح متهما mise en demeure وفق المادة 134 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسية.
وفي المسار القانوني في باريس، يكشف مرقص بأن القاضية الفرنسية كانت أمام خيارين: الأول تكرار الدعوة إلى جلسة الإستماع. والثاني، التشدّد كما فعلت مستندةً إلى نصوص المادة 131 والمادة 695-22 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسية، الذي يتيح لها إصدار مذكرة توقيف دولية إذا كان المطلوب موجوداً خارج فرنسا، وهي اختارت الذهاب الى الخيار المتشدّد، إنطلاقاّ مما لديها من سلطة تقديرية، ونظراً لتخلّفه عن الحضور بعد تعذر تبليغه على نحو غير مقنع، وربما أيضاً لاعتبارها أنه عالم بحصول الجلسة.
ولكن هل ستسلّم السلطات اللبنانية سلامة إلى القضاء الفرنسي؟
عن هذا السؤال يجيب مرقص، أن لبنان كالعديد من الدول لا يسلّم مواطنيه، وفق المادة 20 من قانون العقوبات التي تنص على ما يلي: “تطبق الشريعة اللبنانية على كل لبناني، فاعلاً كان أو محرضاً أو متدخلاً، أقدم خارج الأرض اللبنانية، على ارتكاب جناية أو جنحة تعاقب عليها الشريعة اللبناني. ويبقى الأمر كذلك ولو فقد المدعى عليه أو اكتسب الجنسية اللبنانية بعد ارتكاب الجناية أو الجنحة”.
بالإضافة إلى ما نصّت عليه المادة 30 من القانون عينه لجهة الإسترداد:” لا يُسلم أحد إلى دولة أجنبية، في ما خلا الحالات التي نصت عليها أحكام هذا القانون، إلاّ إن كان ذلك تطبيقاً لمعاهدة لها قوة القانون”.
وعليه، يؤكد مرقص أن “مذكرة التوقيف لا تعني حكماً طلب الإسترداد -إلاّ اذا اعتبر الفرنسيون ذلك انطلاقا من كونها مذكرة دولية- الذي يحتاج عادة إلى إجراءات إضافية لم يتسلمها لبنان لتاريخه، والنيابة العامة اللبنانية هي من تقرّر التوقيف أو عدمه بعد أن تتسلم طلب الإسترداد وفقاً لما نصّت عليه المادة 35 من قانون العقوبات اللبناني التي جاء فيها: يحال طلب الإسترداد على النائب العام التمييزي الذي يتولى التحقيق حول توفر أو عدم توفر الشروط القانونية، وفي مدى ثبوت التهمة، ويمكنه أن يصدر مذكرة توقيف بحق الشخص المطلوب استرداده بعد استجوابه ثم يحيل الملف إلى وزير العدل مشفوعاً بتقريره”.
وعن الجهة التي تبتّ بطلب الإسترداد، يوضح مرقص أن “الحكومة في حال قبول الاسترداد، الأمر الذي استبعده، تصدر مرسوماً بناءً على اقتراح وزير العدل”.
ويستدرك مرقص بالإشارة إلى عدم وجود إتفاقية قضائية خاصة بين الدولة اللبنانية والدولة الفرنسية تنصّ صراحةً على التسليم والإسترداد، موضحاً أن ذلك لا يمنع القضاء اللبناني، بل يلزمه أن يفتح تحقيقاً بنفسه في الجرائم الموجّهة إلى أحد المطلوبين من دولة أجنبية، كالجرائم الموجّهة إلى الحاكم سلامة، وصولاً إلى اتخاذ التدابير القضائية اللازمة، ولكن على الأقل داخل الإقليم اللبناني ووفق الشريعة اللبنانية.
ويضيف مرقص، أن “المحاكمة في لبنان تبقى جائزة، كما يمكن لوكلاء الدفاع عن سلامة، طلب وقف التحقيق الفرنسي لعدم المحاكمة بالجريمة نفسها أمام مرجعين قضائيين، كما أنه يمكن للقضاء اللبناني، لا بل يجب عليه، طلب الإطلاع على الملف من القضاء الفرنسي”.
ويؤكد مرقص أن “سلامة، غير مدّعى عليه لغاية تاريخه، لكنه يتحوّل إلى متهم إذا لم يضبط بمقتضى مذكرة التوقيف وفق المادة 134 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي”.
أمّا في ما يتعلّق بالطعن بمذكّرة التوقيف الصادرة عن القضاء الفرنسي بحق سلامة، يقول مرقص إنه “يجب النظر في ما إذا كان ممكناً فعلاً الطعن بالمذكرة، ودراسة حظوظ هذا الطعن في حال جوازه، وذلك أمام القضاء الفرنسي، وليس الأنتربول، الذي هو مجرد جهاز إداري وسيط”.
والسؤال المطروح يتناول ما سيستند عليه طعن سلامة، لجهة تجاوز القاضية الفرنسية، المهل والأصول، ويعتبر مرقص أنه “يجب قبل ذلك تفحّص ما إذا كانت الأفعال هي نفسها المدّعى بها في لبنان ولا زالت قيد النظر أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل أبي سمرا؟ وهل سيلجأ هذا الأخير إلى طلب تفعيل البند 25 من المادة 46 من اتفاقية مكافحة الفساد لعام 2003 الذي ينصّ على أنه: يجوز للدولة الطرف متلقية الطلب أن ترجئ المساعدة القانونية المتبادلة بسبب تعارضها مع تحقيقات أو ملاحقات أو إجراءات قضائية جارية”.
ولذا، يخلص مرقص، متسائلاً ما “إذا كان إدعاء المحامي العام في لبنان منذ نحو الستة أشهر تقريبا، وذلك تفعيلاً للتحقيق اللبناني، قد يُستفاد منه الآن للقول إن هناك تحقيقاً جارياً في لبنان؟”.
تترقب الاوساط السياسية والرأي العام اللبناني ما سيخرج به اللقاء التشاوري في السرايا الحكومية المخصص للبحث بملف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد صدور مذكرة توقيف دولية بحقه وتسلم لبنان من الإنتربول الدولي نسخة عن “النشرة الحمراء” التي تطلب توقيف الحاكم لصالح القضاء الفرنسي.
وبحسب مصادر مطّلعة فإنّ سلامة حاسم في بقائه في منصبه حتى آخر لحظة من ولايته الخامسة، أي حتى نهاية يوليو/ تموز المقبل. ونفت مصادر وزارية نفيا قاطعا أن يكون رئيس مجلس النواب نبيه بري قد طلب من سلامة الاستقالة والتنحي. وتضيف المصادر: “بغياب البدائل، سيبقى سلامة حتى نهاية يوليو/ تموز، على ان يتم البت بالخيارات المتاحة خلال الاسبوعين المقبلين”.
المسار القانوني
وعلى الرغم من محاولات عدة خلال السنوات الماضية، لم ينجح القضاء اللبناني في الوصول إلى نتائج حاسمة حول شبهات ودعاوى ترتبط بأداء حاكم مصرف لبنان، وإمكانية اختلاسه أموالا عامة بشكل مباشر أو عبر شركات ترتبط بأقرباء وأصدقاء له، في ظل حديث عن حماية سياسية معينة يتمتع بها حاكم المصرف المركزي.
وبهذا الخصوص، تحدث رئيس منظمة جوستيسيا الحقوقية، بول مرقص، في حديث لـ “جسور” عن المسار القانوني بعد مذكّرة التوقيف بحق سلامة، قائلا: القاضية الفرنسية اود بوروزي كان لديها خياران: إما تكرار الدعوة إلى جلسة الإستماع أو التشدّد كما فعلت مستندةً الى المادة 695-22 والمادة 131 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسية الذي يتيح لها إصدار مذكرة توقيف إذا كان المطلوب موجوداً خارج فرنسا وإذا كان الفعل من الجرائم الكبرى. وهي بما لديها من سلطة تقديرية ونظرا لتخلفه عن الحضور بعد تعذّر تبليغه على نحو غير مقنع، وربما أيضا لاعتبارها أنه عالم بحصول الجلسة، ذهبت إلى الخيار الثاني المتشدد.
فهل ستسلّم السلطات اللبنانية سلامة إلى القضاء الفرنسي بعد مذكرة التوقيف الفرنسية؟
يبيّن مرقص أن لبنان شأنه شأن العديد من الدول لا يسلّم مواطنيه، وفق المادة /20/ من قانون العقوبات التي تنص على ما يلي: “تطبق الشريعة اللبنانية على كل لبناني، فاعلا كان أو محرضاً أو متدخلاً، أقدم خارج الأرض اللبنانية، على ارتكاب جناية أو جنحة تعاقب عليها الشريعة اللبناني. ويبقى الامر كذلك ولو فقد المدعى عليه أو اكتسب الجنسية اللبنانية بعد ارتكاب الجناية أو الجنحة.” بالإضافة إلى ما نصّت عليه المادة /30/ من القانون عينه لجهة الاسترداد: ” لا يسلم أحد الى دولة أجنبية، فيما خلا الحالات التي نصت عليها احكام هذا القانون، إلا أن يكون ذلك تطبيقاً لمعاهدة لها قوة القانون.”
“المحاكمة في لبنان جائزة”
ويشرح مرقص أنّ مذكرة التوقيف لا تعني، حكماُ طلب الإسترداد الذي يحتاج الى إجراءات إضافية لم يتسلمها لبنان لتاريخه، والنيابة العامة اللبنانية هي من تقرّر التوقيف أو عدمه لاحقا لتسلم طلب الاسترداد وفقاُ لما نصّت عليه المادة /35/ من قانون العقوبات اللبناني التي جاء فيها: “يحال طلب الاسترداد على النائب العام التمييزي الذي يتولى التحقيق حول توفر أو عدم توفر الشروط القانونية وفي مدى ثبوت التهمة، ويمكنه أن يصدر مذكّرة توقيف بحق الشخص المطلوب استرداده بعد استجوابه ثم يحيل الملف الى وزير العدل مشفوعا بتقريره، يبت بطلب الاسترداد بمرسوم يتخذ بناء على اقتراح وزير العدل.”
وليس من إتفاقية قضائية خاصة بين الدولة اللبنانية والدولة الفرنسية تنصّ صراحةً على التسليم والاسترداد، ولكن ذلك لا يمنع، بحسب مرقص، القضاء اللبناني بل يلزمه أن يفتح تحقيقاُ بنفسه في الجرائم الموجّهة إلى أحد المطلوبين من دولة أجنبية كالجرائم الموجّهة إلى سلامة، وصولاُ إلى إتخاذ التدابير القضائية اللازمة ولكن على الأقل داخل الإقليم اللبناني ووفق الشريعة اللبنانية.
وعليه، فإن المحاكمة في لبنان تبقى جائزة، كما يمكن لوكلاء الدفاع عن الحاكم طلب وقف التحقيق الفرنسي لعدم المحاكمة بالجريمة نفسها امام مرجعين قضائيين. ويمكن للقضاء اللبناني لا بل يجب عليه طلب الإطلاع على الملف من القضاء الفرنسي، يؤكد مرقص، مضيفاُ: الحاكم غير مدّعى عليه لغاية تاريخه لكنه يتحوّل إلى متهم إذا لم يضبط بمقتضى مذكّرة التوقيف وفق المادة 134 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي.
ماذا عن انتهاء ولاية سلامة؟
ومع ذلك، فإنّ استمرارية سلامة مثل استبعاده، تطرح إشكاليات ومشاكل يصعب تجاوزها في الوضع الحالي. وإذا كان بقاء سلامة سيزيد الشكوك في احتمال وقف تعاون المؤسسات المالية الدولية مع مصرف لبنان، طالما ان الأخير هو من يوقّع الاوراق والمستندات التابعة للمصرف، فإنّ ازاحته قد تؤدي الى ما يشبه الفراغ القاتل في سدة الحاكمية. وهنا يرى رئيس منظمة جوستيسيا الحقوقية أنّ المادة /25/ من قانون النقد والتسليف نصّت على أنه: “يتولّى نائب الحاكم الأول مهامّ الحاكم ريثما يعيّن حاكم جديد”. كما تنصّ المادة /27/ من القانون عينه على أنه: “بحال غياب الحاكم او تعذر وجوده يحل محله نائب الحاكم الاول وبحال التعذر على الاول فنائب الحاكم الثاني وذلك وفقا للشروط التي يحددها الحاكم. وبإمكان الحاكم ان يفوض مجمل صلاحياته الى من حل محله.”أي أنه عند إنتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان، يتولى النائب الأول للحاكم بالوكالة مهامه إلى حين تعيين بديل عن الحاكم.
وفي ظلّ وجود حكومة تصريف اعمال، هناك عقبة، وفق مرقص تكمن في مدى إمكانية اعتبار عملية تعيين حاكم للمصرف المركزي بمرسوم حكومي وبناءً على اقتراح وزير المالية من الأعمال التي تدخل ضمن نطاق صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، أو حتى تعيين الحاكم الحالي لولاية جديدة.
ففي هذا السياق نصّت المادة /64/ من الدستور اللبناني على أنه: “لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الاعمال”. وقد جاء في القرار الشهير الصادر عن مجلس شورى الدولة رقم /614/ لعام 1969 أنه في عداد الأعمال العادية التي يعود للحكومة المستقيلة اتخاذها، كما أنّ نطاق تصريف الأعمال يحدِّده القضاء الإداري، ويتحقق ما إذا كانت أعمالاً عادية يجوز اتخاذها أو أعمالاً تخرج عن نطاق تصريف الأعمال. وهذا الرأي الصادر عن مجلس شورى الدولة جاء قبل التعديلات الدستورية عام 1990، والتي ضيّقت المعنى لتصريف الأعمال.
ورغم ذلك تبقى عملية تعيين الحاكم في هذه الظروف المالية العصيبة ضرورية جداً، يقول مرقص، لكن هناك إشكالية عملية تكمن في أن الحاكم الجديد قد لا تكون لديه الخبرة والمعرفة الكافية لتحملّ عبء تولّي هذا المنصب الحسّاس في هذا الظرف الاستثنائي.