|
“ليبانون ديبايت”
ليست المرة الأولى التي يجري فيها تسريب مواقف ودعوات أميركية لفرض عقوبات على أطراف لبنانية سياسية أو حزبية، من أجل دفعها وحثّها على احترام المهل الدستورية وإنجاز الاستحقاقات الانتخابية في مواعيدها من دون أي تأجيل. إلاّ أن ما يختلف اليوم في هذه التسريبات أو التهديدات المبطنة بعقوبات وشيكة على “معرقلي” الاستحقاق الرئاسي، أنها تستهدف رئاسة المجلس النيابي من جهة وبأنها تأتي في سياق تقاطع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على استخدام كل الوسائل المتاحة من أجل تشجيع السياسيين اللبنانيين على التوافق وانتخاب رئيس في أقرب وقت ممكن. فهل يعني هذا التقاطع أن العقوبات قد باتت وشيكة على المعرقلين الذين لم تسمّهم واشنطن بعد؟ وبرأي عميد كلية العلاقات الدولية في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ رئيس مؤسسة جوستيسيا المحامي الدكتور بول مرقص، فإن الحديث عن عقوبات أميركية قد تصدر بحق معرقلي الاستحقاق الرئاسي وبمعزلٍ عن الشخصيات المستهدفة، له حيثيات قانونية، لأن العقوبات في الولايات المتحدة الأميركية، تستند إلى نصوص قانونية وأمر تنفيذي خاص، على غرار العقوبات التي تتعلق بمكافحة تمويل “حزب الله” أو قانون “ماغنتسكي” أو عقوبات ضد منتهكي حقوق الإنسان أو المتهمين بالفساد وصولاً إلى العقوبات الخاصة بمعرقلي مسار الديمقراطية.
وعليه يجزم مرقص بأن ما من موقف جازم وحاسم حول العقوبات بهدف انتخاب رئيس للبنان، مشيراً إلى تريث وحذر من أي قرار غير مدروس، وربما بسبب اقتراب موعد الانتخابات، وخشية مسؤولي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، من فشل أي قرار في هذا الشأن، وذلك في حال لم تحقق العقوبات الهدف المنشود منها وهو تسريع الاستحقاق الرئاسي. ورداً على سؤال حول الارتباط بين هذا الواقع والملف الرئاسي، يكشف مرقص عن بقاء شبح العقوبات بحق المعطلين في لبنان، لكنه يوضح أن ما من زخم كبير يؤدي إلى صدور أي قرار حالياً. وعن الجهة المعنية بإصدار العقوبات، يشير مرقص إلى أن “لا أحد يملك معلومات في الوقت الحالي والجهة المعنية هي الخزانة ووزارة الخارجية، وأي تسريبات لن تظهر إلاّ قبل ساعات معدودة فقط، وذلك في حال تمّ هذا التسريب من صدور العقوبات”. لكنه يستدرك موضحاً أن عنصراً قد استجد الآن، من خلال مسار قانوني تشريعي في الكونغرس، يطالب الإدارة الأميركية بفرض عقوبات على الذين يعرقلون المسار الديمقراطي في لبنان وانتخاب رئيسٍ للجمهورية. أمّا بالنسبة لدور الكونغرس في قرار الإدارة، يقول مرقص إنه في حال طالبت لجنة الخارجية في الكونغرس، بفرض عقوبات على شخصية أو دولة ما، فإن طلبها يُدرس بجدية، خصوصاً إذا كانت المطالبة تأتي من قبل نواب في الحزبين الجمهوري والديمقراطي كما حصل أخيراً، ما يؤكد على وجود زخم نيابي أميركي باتجاه فرض عقوبات، ولكن من دون أي مؤشرات عملية في الوقت الراهن. ويخلص مرقص إلى التأكيد على أن الهدف من أي عقوبات هو إنجاز الانتخابات الرئاسية، ولذلك فإن الأطراف السياسية في لبنان تعمل، وبشكل مدروس وبحنكة ملحوظة، على تحريك العجلة الدستورية والسياسية في البلاد من أجل تفادي اتهامها بعرقلة الديمقراطية، وهذا ما يدفع واشنطن إلى التريث بمسألة العقوبات، ذلك أن الهدف منها، ليس تجميد عملية انتخاب الرئيس بل إنجازها ولذلك فهي ربما تعطي فرصةً جديدة للجهود المبذولة للحوار وإجراء الانتخابات التي يدعو إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري. |
عقوبات أميركية على بري؟١٧/٦/٢٠٢٣
الأستاذ في القانون الدولي د. بول مرقص: المتهمون اللبنانيون المتورطون في حادث تفجير عام 1994 قد يواجهون أحكامًا غيابية في هذه الحالة١٧/٦/٢٠٢٣
الأستاذ في القانون الدولي د. بول مرقص: المتهمون اللبنانيون المتورطون في حادث تفجير عام 1994 قد يواجهون أحكامًا غيابية في هذه الحالة#الحدث pic.twitter.com/x5hgdXkysO
— ا لـحـدث (@AlHadath) June 16, 2023
مرقص لـ”نداء الوطن”: بقاء نواب حاكم المركزي في مناصبهم مكلفٌ وكذلك استقالاتهم
تعليقاً على بيان نواب حاكم مصرف لبنان الذي هددوا فيه بالاستقالة في حال عدم تعيين بديل لحاكم المركزي رياض سلامة، أكد رئيس منظمة “جوستيسيا” المحامي بول مرقص ل “نداء الوطن”، أن “هذا الكتاب هو إجراء استباقي يُكسب نواب الحاكم خطوط دفاع استباقية استدراكاً لأيّ مسؤوليات ستقع عليهم مع استمرار فترة الشغور الرئاسي وحكومة تصريف الأعمال لفترة طويلة، إضافة الى الاستنكاف عن تعيين حاكم جديد، بحسب ما توحي به الامور”.
وعن عبارة “الإجراء المناسب الذي يمكن أن يتخذوه، التي وردت في البيان، اعتبر مرقص أنّ هذا الأمر قد لا يكون حتميّاً، ولكن يمكن أن تكون على نحو استقالات فردية أو جماعية”.
واستدرك: “ولكن هذا ليس بالأمر السهل بسبب المسؤولية الملقاة على عاتقهم، حتى عند تقديم استقالاتهم في هذا الظرف الحرج والحادّ والاستثنائي بسبب الظروف النقدية والمالية والمصرفية التي تمرّ بها البلاد. وهذا ما يجعل استمرار نواب الحاكم في تولّي مناصبهم مكلفاً، وكذلك استقالاتهم ستكون مكلفة”.
مرقص ل الإنتخابات الرئاسية ٢٠٢٣: البقاء في المجلس النيابي لانتخاب رئيس للجمهورية ١٤/٠٦/٢٠٢٣
أكد رئيس مؤسسة جوستيسيا الحقوقية المحامي الدكتور بول مرقس عبر صوت لبنان ضمن “الإنتخابات الرئاسية ٢٠٢٣” أنّ مضمون بيان السياسي للخارجية الأميركية الداعي إلى عدم تطيير جلسة اليوم هو في مضمونه دستوري، مشيرًا إلى تقاطعه مع الدستور اللبناني في المواد الدستورية التالية 49- 73- 74- 75 الداعية إلى إبقاء دورات متتالية للمجلس النيابي لانتخاب رئيس للجمهورية، مؤكدًا حصوله في دولة الفاتيكان أثناء انتخاب الحبر الأعظم، مؤكدًا أنّ المشكلة في الأداء السياسي وليس في الدستور، معتبرًا أنّ نصاب الثلثين مغلوط ولا وجهة دستورية أو قانونية له، داعيًا المجلس النيابي إلى إبقاء جلساته مفتوحة لانتخاب رئيس للجمهورية وفق الدستور والأخلاقيات الوطنية، ولا يسمح بتأجيل الاستحقاق الوطني مرة إضافية، لما في ذلك من تدمير إضافي للبلد.
(30/06/2023) بتزاز وتحرش على مواقع التواصل… آن الأوان لرفع الصوت!
!لا يكاد يمر يوم من دون أن تسجّل الأجهزة الأمنية شكاوى من مواطنين وخصوصاً مراهقين يتعرضون للإبتزاز والتحرش من خلال مواقع التواصل أو غيرها من الوسائل الإلكترونية، فيما يخشى المئات منهم التقدم بشكوى أو رفع الصوت ومواجهة المتحرش.
وللإضاءة على هذه القضية البالغة الأهمية، كان حديث لـ “ليبانون ديبايت” مع عميد كلية العلاقات الدولية في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ ورئيس “جوستيسيا” المحامي الدكتور بول مرقص، الذي ساهم في صياغة قانون التحرش الجنسي المقدم من النائب عناية عز الدين إلى المجلس النيابي، وكان الحوار الآتي:
ما هو السلوك الذي يجرم المتحرش؟
عرّفت المادة الأولى من القانون رقم 205/2020 (تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه) التحرّش الجنسي على أنه: “أي سلوك سيء متكرر خارج عن الـمألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للـمشاعر يقع على الضحيّة في أي مكانٍ وُجِدَت، عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلـميحات جنسية أو إباحية وبأي وسيلة تمّ التحرّش بما في ذلك الوسائل الإلكترونية، كما يشمل كلّ فعل أو مسعى ولو كان غير متكرر، يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو الـمعنوي أو الـمادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير”.
ومن المعلوم أنه قبل هذا القانون، لم يكن هناك تعريف للتحرّش في القانون اللبناني، وقد وسّع هذا التعريف مفهوم التحرّش المجرّم ليشمل حتى التحرّش عبر الوسائل الالكترونية، ووفقًا لهذا التعريف، يُعتبر التحرش الجنسي أي سلوك سيء يتكرر ويخرج عن المألوف، ويكون غير مرغوب فيه من قِبَل الضحية. يتضمن هذا التحرش العنصر الجنسي ويشكلّ انتهاكًا للجسد والخصوصية والمشاعر للضحية، ويشمل التحرش الجنسي السلوك الذي يحدث في أي مكان تواجد فيه الضحية، سواء كان في الأماكن العامة أو الأماكن الخاصة.
ويشمل السلوك غير المقبول أقوالًا، وأفعالًا، وإشارات، وإيحاءات، وتلميحات جنسية أو إباحية، سواء كانت عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها من وسائل الاتصال الإلكترونية.
وتشير هذه المادة أيضًا إلى أن التحرش الجنسي يمكن أن يكون فعلًا واحدًا أو مسعى غير متكرر، يستخدم أي نوع من الضغوط النفسية أو المعنوية أو المادية أو العنصرية، بهدف الحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها المتحرّش أو شخص آخر.
ما أهداف التركيز على هذا التعريف؟
يهدف إلى حماية الأفراد من أشكال التحرش الجنسي المختلفة والتصرفات غير المقبولة، وتطبيق العقوبات القانونية على المُعتدين والمتحرشين، علماً أنه طالته بعض الإنتقادات من قبل القانونيين والحقوقيين لاسيّما لجهة استخدام المشرّع اللبناني لكلمة “غير المألوف” في الإشارة إلى سلوك المتحرّش، الأمر الذي يترك مجالاً للتأويل والإستغلال وقد تؤدي إلى إستبعاد حالات التحرّش التي تحصل بين الأزواج أو المرتبطين بعلاقة، إلا أن هذا الأمر مقصود لأن معيار التحرش هو معيار شخصي والفعل “غير المألوف” يختلف من شخص لآخر، وهذا ما يترك لتقدير القضاء. إلاّ أن الأساس، يبقى في المبادرة التي قامت بها النائب عز الدين من خلال هذا القانون، من أجل معاقبة كل متحرّش، وتوفير العدالة للضحايا.
كيف من الممكن للضحايا وخصوصاً الصغار أن يدركوا أنهم في مواجهة متحرّش؟
يغلب على المتحرش الطابع العدواني وحب الأذية لمن حوله ويستمتع بأذى ومعاناة الآخرين ويقال عنه في الطب النفسي بأنه “سادي”. كما أن من أكثر الصفات الواضحة على المتحرّش أنه يشعر دائماً بنقص يعيشه في داخله، فضلاً عن حبه للسيطرة، ولضعف شخصيته لا يستطيع أن يصل لمرحلة أن يتحكم بأفراد، فيلجأ لمن هم أضعف منه ليحقق الرغبة الداخلية بحب التحكم والسيطرة، وأنه يستطيع أن يفعل ما يريده دون أن يحاسبه أي أحد فالضعيف سينصاع للأوامر دون أن يتحدث أو يقول ما بداخله، فشعور الخوف الذي يصيب الضحية يشبع رغبة لدى المتحرش.
هل التحرش محسوب فقط على الرجال؟
لا يقتصر التحرّش فقط على الرجال، فقد سمعنا العديد من قصص التحرّش التي كانت الفاعلة فيها هي إمرأة كالتحرّش في المدارس، ولكن سلوك التحرّش أكثر شيوعاً لدى الرجال.
إذا تحرّش رجل بإمراة في الطريق، كيف تستطيع أن تلاحقه من دون إثبات؟
الخطوة الأولى في إثبات جريمة التحرش الجنسي هي الإبلاغ عنها، حيث يجب على الضحية أن تبلغ السلطات المختصة بالتفاصيل والمعلومات المتعلقة بالواقعة. بعد ذلك، يتم تحديد مكان حدوث التحرش وجمع أدلة قوية لدعم قضية الضحية.
قد تكون الكاميرات الموجودة في المكان المشتبه به مفيدة كونها قد تسجل الواقعة وتوفر دليلاً قوياً، فيتم البحث عن أشرطة الفيديو أو أي أدلة أخرى تمكن من إثبات حدوث التحرش.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يشارك شهود عيان على الحادثة شهاداتهم التي من الممكن أن تدعم قضية الضحية.
لكن عملية إثبات جريمة التحرش الجنسي تعتبر صعبة، حيث يقوم الجاني بارتكاب الجريمة في سرية تامة ويتخذ إجراءات لضمان عدم الحصول على أي دليل يدينه، على أن يتمّ جمع أدلة قوية وإقامة قضية قوية لإثبات التحرش الجنسي.
لذا، يجب أن يتعاون النظام القضائي والشرطة للتحقيق في الجريمة وجمع الأدلة اللازمة. يقوم القاضي بدراسة التقرير المعد بعناية ويحدد ما إذا كان سيفرض عقوبات على المتهم بناءً على الأدلة المقدمة والقوانين المعمول بها.
ما هي عقوبة المتحرش بالقانون اللبناني؟
عاقبت المادة الثانية من القانون رقم 205/2020(تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه) التحرّش الجنسي وفقاً لما يلي:
أ – يعاقب كل من اقدم على ارتكاب جريمة التحرش الجنسي بالحبس من شهر حتى سنة وبغرامة تتراوح بين ثلاثة أضعاف وعشرة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ب – يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة من عشرة أضعاف إلى عشرين ضعفاً الحد الأدنى الرسمي للأجور أو بإحدى هاتين العقوبتين:
1- إذا كانت جريمة التحرش حاصلة في إطار رابطة التبعية أو علاقة العمل.
2- اذا وقع التحرش في إحدى الإدارات الرسمية أو العسكرية أو الـمؤسسات العامة أو البلديات أو الجامعات أو الـمدارس أو الحضانات أو الـمعاهد أو الأندية أو وسائل النقل.
3- إذا كان الـمتحرش موظفاً وفقاً للتعريف الـمنصوص عليه في الـمادة 350 من قانون العقوبات، وتعسّف باستعمال السلطة التي يتمتّع بها بحكم الـمهام الـمكلَّف بها، أو بمعرض القيام بالوظيفة أو بسببها.
ج – يعاقب بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات وبغرامة تتراوح من ثلاثين إلى خمسين ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور في الحالات التالية:
– إذا وقع الجرم على حدث أو على شخص من ذوي الإحتياجات الإضافية أو على من كان لا يستطيع الـمدافعة عن نفسه بسبب وضعه الصحي الجسدي أو النفسي.
2- إذا كان الجاني ممّن له سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية أو تعليمية على الـمجني عليه.
3- إذا ارتكب فعل التحرش شخصان أو أكثر.
4- إذا استخدم الجاني الضغط الشديد النفسي أو الـمعنوي أو الـمادي في ارتكاب الجرم للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية.
في حال التكرار أو الـمعاودة، ُتضاعف عقوبة الحبس والغرامة في حديهما الأدنى والأقصى في كل الحالات الـمذكورة أعلاه، أو يكون الحبس والغرامة معاً في الحالات الـمنصوص عليها في الفقرتين (ب) و (ج) من هذه الـمادة.
ما أسباب إطلاق سراح غالبية المتحرشين في لبنان والعالم العربي؟
قد يكون سبب إخلاء السبيل، ضعف الأدلّة المتواجدة بيد القضاء التي تدين المتحرّش، أو تدخل سياسي لاسيّما في حال كان المتحرّش مدعوماً من قوة معيّنة، أو الضغط على الضحيّة من المجتمع أو أهلها لإسقاط شكواها بحق المتحرّش في ما يسمى الحفاظ على السمعة والشرف، وهنا يبرز الدور المهم الذي تقوم به جمعيات المجتمع المدني في الدفاع عن حقوق الضحية وفضح المتحرّش خاصةً عبر وسائل التواصل الإجتماعي واستعمالها للضغط نحو العدالة للضحية ومعاقبة المتحرّش، وغالباً ما يكون صاحب سوابق، ولذلك إذا أبلغت عنه أي ضحية، ستشجع الآخرين.
“ما بعد رياض سلامة”سيناريوهات متعددة لملء الفراغ في مصرف لبنان
أثار فشل مجلس الوزراء اللبناني، الخميس، في تأمين النصاب اللازم من عدد الوزراء لتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان، مخاوف عديدة في البلاد حول السيناريوهات التي يمكن أن تتخذها التطورات مع انتهاء ولاية حاكم المصرف المركزي الحالي، رياض سلامة، في 31 يوليو الحالي.
أبرز هذه المخاوف تتمثل في امتداد حالة الشغور والفراغ إلى رأس السلطة النقدية في لبنان، بعد نحو تسعة أشهر من الشغور في رئاسة الجمهورية، والشلل التنفيذي والتشريعي المصاحب له بحكم القانون الذي يحول الحكومة إلى تصريف الأعمال بصلاحيات محدودة، والمجلس النيابي إلى مجرد هيئة ناخبة لرئيس الجمهورية بدون قدرة على التشريع.
وفي ظل انهيار مالي مستمر، منذ عام 2019، يلعب المصرف المركزي في لبنان، دورا رئيسيا يمنحه له قانون النقد والتسليف، لإدارة الواقع النقدي والتدخل في سوق القطع ووضع السياسات المصرفية وغيرها من المهام، التي من شأن الفراغ في حاكمية المصرف المركزي أن يعرقلها تماما، ويهدد البلاد بانهيار مالي أوسع مما شهدته.
أما السيناريوهات المطروحة في البحث السياسي اليوم، لتجنب الوصول إلى الفراغ في حاكمية مصرف لبنان، فلا تقل عن الشغور خطورة، لناحية التأثيرات التي من شأنها أن تتركها، خاصة لناحية تعميق الانقسام السياسي المستعر حاليا، والذي يتخذ في كثير من الأحيان طابعا طائفيا، بحيث يتحول أي مسعى لتعويض الشغور الحاصل في المواقع، إلى نزاع على حصرية الصلاحيات بيد الطوائف والأحزاب الممثلة لها.
فقدان نصاب.. “معروف سلفا”
وفق الدستور اللبناني، فإن نصاب انعقاد الجلسة الحكومية يتطلب حضور ثلثي أعضاء مجلس الوزراء (24 وزيرا)، لاسيما وأن مركز حاكم مصرف لبنان يعتبر من الوظائف المسماة “فئة أولى” والتي يتطلب تعيينها موافقة ثلثي مجلس الوزراء أيضا.
وفي ظل مقاطعة الوزراء المسيحيين لجلسات الحكومة، على اعتبار أن انعقادها في ظل الفراغ الرئاسي يخالف مبدأ تصريف الأعمال ويحمل تعديا على صلاحيات رئاسة الجمهورية، اتخذ “حزب الله” موقفا متقاربا مع حليفه المسيحي “التيار الوطني الحر”، معبرا عن رفضه مبدأ التعيين من ناحية حكومة تصريف الأعمال في ظل الفراغ الرئاسي، وذلك منذ ما قبل الوصول إلى استحقاق حاكمية المصرف المركزي.
وانسجاما معه، قاطع جلسة الخميس كل من وزراء حزب المردة، والحزب الديمقراطي اللبناني، ليحضر بالنتيجة 7 وزراء فقط، وتتحول الجلسة إلى “لقاء تشاوري” عقده رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، في مكتبه مع الوزراء الحاضرين، جرى خلاله “التباحث والتداول بشأن الأزمة القائمة” وفق ما يقول نائب رئيس الحكومة، سعادة الشامي، لموقع “الحرة”.
يعتبر الشامي أن الجلسة “لم تكن، في الحقيقة، مخصصة لتعيين حاكم لمصرف لبنان كما جرى الحديث”، مؤكدا أنها كانت جلسة “لمناقشة الأمور النقدية والمالية في ظل التطورات القادمة لناحية حاكمية مصرف لبنان”، لافتا إلى أن الحديث عن كونها “جلسة تعيين” جاء من الإعلام ونتيجة تصريحات في هذا السياق.
وكان رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، قد أكد في تصريح لموقع “الحرة” أنه اتفق مع ميقاتي، على عقد جلسة لمجلس الوزراء، نهار الخميس، لتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان، مشيرا الى أن تعيين حاكم جديد هو مطلَبُه من الأساس.
في المقابل، يرى الخبير بالمخاطر المصرفية، محمد فحيلي، أن ما جرى كان تقديم مادة “للاستهلاك الإعلامي، لا أكثر”.
وفي تصريحه لموقع “الحرة” تساءل فحيلي “ألم يكن الجميع يعلم أن نهاية الولاية الخامسة لحاكم مصرف لبنان في 31 يوليو؟ وأنه ما من رئيس للجمهورية منذ أكتوبر 2022 وسيتعذر تعيين حاكم؟ الآن في آخر 24 ساعة بدؤوا بالبحث عن حلول؟ فقدان نصاب الجلسة كان معروفا سلفا”.
شغور.. لا شغور
وكانت تحذيرات نواب حاكم مصرف لبنان للسلطة السياسية وتلويحهم بإمكانية الاستقالة في حال عدم تحمل مسؤولياتهم بتعيين حاكم جديد، قد أثارت مخاوف من إمكانية حلول الفراغ في هذا الموقع الحساس والتوقيت الحرج، على الرغم من أن قانون النقد والتسليف ينص بوضوح على تسلم النائب الأول لحاكم المصرف، الصلاحيات الكاملة للحاكم في هذه الحالة.
واجتمع ميقاتي، الخميس، مع نواب حاكم مصرف لبنان، في سياق لقاءات متتالية جرت في الفترة الماضية، للبحث في مرحلة ما بعد انتهاء ولاية سلامة. وخرج عنه بيان شدد فيه النواب على “أنهم يقومون بواجباتهم الوطنية والوظيفية ضمن الأصول القانونية”.
إلّا أن المُقلق كان ما قاله ميقاتي في دردشة مع الصحفيين، عقب اجتماعه مع الوزراء، لناحية عدم نجاحه بعد في ثني نواب الحاكم عن الاستقالة.
يؤكد الشامي أنه سيكون هناك شغور في حال عدم تسلم نواب الحاكم مهماتهم، “ولكن لا شيء واضح حتى الآن”، مذكرا أن القانون ينص على تسلم نائب الحاكم الأول، وفي حال لم يحصل ذلك، “يكون لكل حادث حديث”، وحذر من العواقب القانونية لذلك.
وأشار نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني إلى أن استقالة نواب الحاكم تقدم لمجلس الوزراء، الذي يبت بقبولها من عدمه، “وبالتالي لا يمكنهم التخلي عن مسؤولياتهم دون موافقة مجلس الوزراء”.
من ناحيته، يرى فحيلي أن هناك اتجاهين قد تسلكهما الأمور، “ليس بينهما الشغور”.
وبحسب الخبير في المخاطر المصرفية، إما أن يسلك الحل درب قانون النقد والتسليف الذي ينص على تولي النائب الأول، بصلاحيات كاملة، أو تكون هناك “هندسات سياسية” تسفر عن طلب الطبقة السياسية من نواب الحاكم التقدم باستقالة جماعية، وبعدها يتم تكليف نواب الحاكم الأربعة مجتمعين بإدارة هذا المرفق العام، “وبهذا يتم إبراء النائب الأول للحاكم من هذا الفائض من المسؤولية الذي يحمله الحاكم”.
الفارق بين الحلين، أن الأول، بحسب فحيلي، يتيح تسلم النائب الأول بصلاحيات كاملة “تتيح له إجراء انعطافة كاملة في استراتيجية السياسات النقدية المعتمدة”، أما الثاني فتحصر الصلاحيات بتسيير الأعمال، “وبالتالي لن نكون أمام أي تغيير للوضع الحالي، إن كان وسيم منصوري أو رياض سلامة وهذا ما تريده الطبقة السياسية الحاكمة”.
وما يحدد التوجهات في هذا السياق هو توقيت استقالة نواب الحاكم إذا ما حصلت، فبحسب فحيلي، إن كانت في 31 يوليو، يكون المراد منها تكليف سلامة، بكونه آخر الباقين في منصبه، بتسيير الأعمال في حاكمية مصرف لبنان. أما إن حصلت في 1 أغسطس أو بعده، فيكون الهدف منها تكليف النواب الأربعة بذلك.
وتسري اتهامات لرئيس مجلس النواب اللبناني بمعارضته لتسلم وسيم منصوري (النائب الأول) مهام حاكم مصرف لبنان، لما لذلك من مسؤولية حاليا لا يريدها أن تلقى على عاتق أحد المحسوبين عليه سياسيا، فضلا عن حسابات طائفية تتعلق بتجنب إمساك الطائفة الشيعية منفردة بكافة المفاصل المالية في البلاد، فعلى رأس كل من القضاء المالي ووزارة المالية شخصيات شيعية، محسوبة على بري.
فيما يشدد بري من جهته، في تصريحه للحرة على أن لا مشكلة بينه وبين النائب الأول للحاكم، منصوري، مشيرا إلى أنه حاول تأمين قوانين خاصّة لنواب الحاكم الأربعة تجيز لهم متابعة عملهم بعد شغور الحاكميّة.
فرضية ثالثة
ووسط ترقب اللبنانيين للمسار الذي ستسلكه الأمور، برزت فرضية ثالثة لمصير حاكمية مصرف لبنان، تمثل في مبادرة وزير العدل اللبناني، وانسجاما مع طرح للتيار الوطني الحر، المحسوب عليه سياسيا، إلى تقديم طلب تسمية مدير مؤقت لدى قضاء العجلة الإداري، أمام مجلس شورى الدولة.
وبحسب بيان عن وزارة العدل، فإن ذلك يأتي “في ضوء ما يمكن أن يستجد من تطورات خلال اليومين المقبلين، وتفاديا لأي فراغ يصيب مركز حاكمية مصرف لبنان، وتأمينا لسير المرفق المالي والنقدي”.
وهو حل مشابه للمخرج الذي كان قد دار حديث حوله عن تعيين حارس قضائي على مصرف لبنان، وفق الخبير الدستوري ورئيس مؤسسة “جوستيسيا”، بول مرقص.
المحامي اللبناني وفي تصريحه لموقع “الحرة”، يشير إلى أنه وفي حال إصرار نواب الحاكم على عدم تسيير أعمال المصرف، “يمكن للحكومة أو هيئة القضايا أو أي طرف متضرر من الفراغ في مصرف لبنان تقديم طلب لمجلس شورى الدولة، وهو القضاء الإداري الذي لديه صلاحية التدخل في هذه الحالة وفقا للمادة 65 من نظام مجلس شورى الدولة”.
بموجب هذه المادة، ينظر مجلس شورى الدولة في النزاعات المتعلقة بقضايا الموظفين المعينين بموجب مرسوم، وبإمكانه أن يصدر قرارا يسمح بتعيين مدير أو مسؤول مؤقت لتسيير أعمال المصرف ومنع حدوث فراغ في منصب الحاكم.
وإذ يستبعد مرقص هذا السيناريو ولا يدعو إليه، يلفت إلى تواجد سابقة في هذا السياق، “مختلفة من حيث الطبيعة القانونية”، تتمثل في تعيين إدارة مؤقتة لشركة تلفزيون لبنان، عام 2013، بسبب انتهاء ولاية أعضاء مجلس الإدارة وعجز الحكومة حينها عن تعيين بدائل.
وعليه يمكن استخدام هذه السابقة، بحسب مرقص، لإبراز أن المدير الإداري المؤقت يمكن أن يُعيَّن في حالات الفراغ لتسيير المؤسسات والمصالح العامة. وبالتالي، يمكن لمجلس شورى الدولة، على ما جاء في المادة 66 من نظامه، أن ينظر على وجه العجلة ويصدر قرارا يسمح بتعيين مدير أو مسؤول مؤقت لتسيير أعمال المصرف ومنع حدوث فراغ في منصب الحاكم.
مع ذلك، يبدي المحامي اللبناني تحفظه على ما سبق إن حصل، معتبرا أنه “لا حاجة ولا لزوم” لإدارة مؤقتة لمصرف لبنان، لأسباب عدة: أولها أن مهام الحاكم تنتقل حكما للنائب الأول بموجب القانون، وعليه “لا فراغ في حاكمية مصرف لبنان”.
أما من جهة ثانية، يلفت مرقص إلى أن الإدارة المؤقتة “هي إدارة تقليدية ومحدودة الإطار، وترمي إلى المحافظة على المؤسسة المُدارة، ولا تهدف إلى تطويرها أو القيام بالأدوار التي يطلع بها مصرف لبنان، من تدخل في الأسواق وضبط للصرف وغيرها.
ويخلص إلى أن لبنان اليوم في أزمة مستفحلة، “تحتاج إدارة خلاقة ومبدعة وفاعلة في المصرف المركزي”، وليس إلى مجرد إدارة مؤقتة.
06/07/20203 بول_مرقص لـ”النشرة”: يمكن الاستناد للضرورات الملحة لتعيين حاكم جديد لـ #مصرف_لبنان بظل حكومة تصريف الأعمال
أشار رئيس منظّمة “جوستيسيا” الحقوقيّة المحامي بول مرقص، في حديث مع “النشرة”، عن إمكانيّة أن تعيّن حكومة تصريف الأعمال حاكمًا جديدًا لمصرف لبنان، إلى أنّ “حكومة تصريف الأعمال تقوم فقط باتّخاذ القرارات الضّروريّة اللّازمة وبالحدّ الأدنى لاستمرار المرافق العامّة، وبالتّالي علينا التّفريق بين الأعمال التّصرفيّة الّتي لا يعود لحكومة تصريف الأعمال القيام بها، والأعمال العاديّة المتعلّقة بتسيير المرفق العام”.
وأوضح أنّ “التّعيينات الإداريّة لا تقع في المبدأ ضمن صلاحيّات حكومة تصريف الأعمال، خصوصًا عندما يتعلّق الموضوع بحاكم مصرف لبنان، الّذي وإن كان يُقترح تعيينه من قبل وزير المال وفق المادّة 18 من قانون النّقد والتّسليف، إلّا أنّ العرف دَرج على أن يقوم رئيس الجمهوريّة بتزكية تعيينه في مجلس الوزراء، بأكثريّة ثلثَي أعضاء المجلس؛ على اعتبار أنّه من الفئة الأولى الّتي تتطلّب هذه الأكثريّة للتّعيين”.
وشدّد مرقص على أنّ “الظّروف الاقتصاديّة والماليّة والنّقديّة في البلاد قاسية وحادّة واستثنائيّة جدًّا، وتنبئ بانهيار شامل وسريع أكثر ممّا هو عليه الأمر راهنًا، بسبب الإطالة والتّمادي في عدم انتخاب رئيس للجمهوريّة، حيث لا أفق يلوح في ذلك. وبالنّظر إلى قرب انتهاء ولاية الحاكم الحالي وتحذيرنوّابه اليوم من عدم انتخاب حاكم جديد، الأمر الّذي يحدق بضرر كبير على المرفق العام النّقدي والمصرفي، فإنّ هذه الضّرورة الملحّة، يمكن الاستناد إليها لتعيين حاكم جديد للمصرف المركزي، قياسًا على تجارب حديثة حصلت مع الحكومة السّابقة لرئيس الوزراء نجيب ميقاتي عام 2013، مع تعيين رئيس وأعضاء هيئة الإشراف على الانتخابات النّيابيّة وقبلها، أي قبل أن يضيق مفهوم تصريف الأعمال، قبل اتفاق الطّائف مع حكومة رئيس الوزراء الأسبق سليم الحص؛ رغم أنّ المعنى الضيّق لتصريف الأعمال قد ضاق مع التّعديلات الدّستوريّة الّتي نصّ عليها اتفاق الطّائف في أيلول عام 1990″.
وفيما يتعلّق بموضوع القَسم الّذي على الحاكم الجديد أن يؤدّيه أمام رئيس الجمهوريّة، لفت إلى أنّه “في حال تعيين حاكم في ظلّ حكومة تصريف أعمال، يمكن تأجيل القَسم كما حصل مع رئيس لجنة الرّقابة على المصارف سمير حمود وآخرين”.
كما أبدى مرقص خشيته من “تحريك الوضع النّقدي في البلاد سواء بالتّدهور المستمر، أو لأسباب مصطنعة مختلقة، يمكن أن تؤدّي إلى افتعال المزيد من الانهيارات المصرفيّة والنّقديّة، الّتي معها يتحتّم تعيين الحاكم الجديد لمصرف لبنان من قبل حكومة تصريف الأعمال، وذلك على نحو استثنائي وضيّق جدًّا؛ إذ أنّ مفهوم تصريف الأعمال وإن كان ضيّقًا فإنّه يتّسع مع الإطالة في فترة الشّغور الرّئاسي”.