#بيروت – أستاذ القانون الدولي د. بول مرقص: النزوح السوري أصبح يضغط كثيرًا على التركيبة اللبنانية والبنى التحتية في ظل الأزمة الاقتصادية التي نواجهها #الحدث pic.twitter.com/bkxR6sUPrj
— ا لـحـدث (@AlHadath) October 4, 2023
#بيروت – أستاذ القانون الدولي د. بول مرقص: النزوح السوري أصبح يضغط كثيرًا على التركيبة اللبنانية والبنى التحتية في ظل الأزمة الاقتصادية التي نواجهها #الحدث pic.twitter.com/bkxR6sUPrj
— ا لـحـدث (@AlHadath) October 4, 2023
بول مرقص يشرح: هذا ما يعنيه فتح البحر أمام النازحين السوريين! وهذا هو المسؤول !@DrPaulMorcos@nancysaab1#otvlebanon #otvnews #حوار_اليومhttps://t.co/64OJKlpXYP
— OTV Lebanon (@OTVLebanon) October 6, 2023
دعا الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله إلى فتح البحر أمام المهاجرين، من أجل الضغط على المجتمع الدولي لاعادة اللاجئين إلى بلدهم، ولكن هذا الأمر قد يرتب على لبنان تبعات دولية، ما هي؟
أشار رئيس منظمة “جوستيسيا” د. بول مرقص في حديث لموقع “لبنان الكبير”، الى أن “فتح المجال البحري أمام المهاجرين قد تنتج عنه 3 احتمالات، الأول هو أن تتعامل الدول الأوروبية، خصوصاً المتوسطية منها، مع لبنان، تعاملاً ديبلوماسياً لا يرقى الى مستوى الاجراءات بحق البلد، أو تنتقل إلى المستوى الثاني، بحيث تتشدد في التعامل مع لبنان من ناحية التجارة، بمعنى الاستيراد والتصدير والتحويلات المالية وصولاً إلى اتخاذ الاجراءات الديبلوماسية التي تجيزها اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية من استدعاء للسفراء وصولاً إلى قطع هذه العلاقات، ما يؤدي إلى شبه حصار على لبنان. أما المستوى الثالث، فهو أن ترفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي، حتى يأخذ قراراً تحت الفصل السابع، وهذا يعني اتخاذ اجراءات تبدأ بالحصار الاقتصادي وقد تؤول إلى اتخاذ تدابير عسكرية بحق لبنان”.
اذاً، الاجراءات قد تكون خطيرة على لبنان، إلا أن مرقص رجح أن تقتصر الاجراءات الأوروبية على المستوى الأول على الأقل في بداية تنفيذ القرار المطروح، يحيث يكون لذلك تأثير محدود المدى على البلد، لا يصل إلى حدود قطع التعامل معه أو الإضرار به.
ورأى مرقص أن هذه الخطوة قد تكون “رب ضرة نافعة”، بحيث قد يفرض لبنان، تحت وطأة الهواجس الأوروبية، عودة اللاجئين إلى بلادهم.
كل المواقف والحملات والمبادرات، لا تخفِّف من خطر المشكلة الوجودية التي بات يمثلها النزوح السوري، والذي تحوّل إلى أولوية تخطت أولوية الإنتخابات الرئاسية، فيما لم تتخطَّ المعالجات مستوى المزايدات السياسية، من دون التوجّه إلى أي خطوات عملية وإطلاق مقاربة تضع حداً لموجة النزوح الثانية، خصوصاً في ظل تنامي أجواء الإحتقان في الشارع بشكلٍ شبه يومي إعتراضاً على هذا الواقع وتداعياته في كل المجالات.
وفي مقاربة قانونية لكيفية دخول وترحيل السوريين الذين يدخلون بشكلٍ غير شرعي، يشير عميد كلية العلاقات الدولية في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ ورئيس مؤسسة “جوستيسيا” المحامي الدكتور بول مرقص، إلى قانون تنظيم الدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه الصادر في 10 تموز 1962، الذي نصّ في المادة 17 منه، على صلاحية المدير العام للأمن العام بإصدار قرارات بترحيل الأجانب في حالات استثنائية، حيث يشكل الأجنبي خطراً على السلامة والأمن العام.
ويوضح الدكتور مرقص لـ “ليبانون ديبايت”، بأن: “المادة 32 من القانون نفسه، تحدد معاقبة الأجانب الذين يدخلون الأراضي اللبنانية بطرق غير قانونية بعقوبة الحبس من شهر إلى ثلاث سنوات والغرامة والإخراج من لبنان، وبالتالي، إذا دخل شخص إلى لبنان بصفة غير قانونية سعياً للجوء من الإضطهاد وبقي لفترة أطول من المسموح بها في تأشيرة الدخول، فإنه يُعامل على أنه مهاجر غير شرعي ويمكن أن يواجه الإعتقال والسجن والغرامات والإخراج أوالترحيل”.
مهاجرون عبر البحار
وعن خطوة فتح المجال البحري أمام “المهاجرين عبر البحار” كما يسمّيهم القانون الدولي، فإن الدكتور مرقص، يكشف أن “هذا الأمر يترك 3 إحتمالات: إمّا أن تتعامل الدول الأوروبية، وتحديداً المتوسطية، مع هذا الحدث تعاملاً ديبلوماسياً وسياسياً لا يرقى إلى مستوى الإجراءات بحق لبنان، أو أن تنتقل إلى المستوى الثاني وتتشدد في التعامل مع لبنان لناحية التجارة معه، بمعنى الإستيراد والتصدير والتحويلات المالية، وصولاً إلى اتخاذ التدابير الديبلوماسية التي تجيزها إتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية من استدعاء السفراء، وصولاً إلى قطع العلاقات الديبلوماسية، وهذا يؤدي إلى شبه حصار على لبنان، أو المستوى الثالث وهو رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي ليتخذ قراراً تحت الفصل السابع، وهذا يعني اتخاذ إجراءات تبدأ بحصار إقتصادي وقد تؤول إلى اتخاذ تدابير عسكرية بحق لبنان، فيكون هذا القرار ملزماً”.
وهنا، يرجّح مرقص، أن “تقتصر الإجراءات الأوروبية على المستوى الأول، على الأقل مع بداية تنفيذ القرار اللبناني المحتمل أو المطروح بحيث يكون لذلك تأثير قليل المدى على لبنان، لا يصل إلى حدود قطع التعامل معه أو الإضرار، وربما تكون “رب ضارة نافعة” من ورائه بحيث يفرض لبنان بذلك، وتحت وطأة الهواجس الأوروبية، ما يناسب مصلحته من حيث إعادة السوريين إلى بلادهم ووقف التمويل لعددٍ منهم في سبيل إبقائهم وإدماجهم في المجتمع اللبناني”.
وأمّا لجهة ما يُطرح من محاولات خارجية لدمج النازحين بالمجتمع اللبناني، يؤكد مرقص، أن “أي شكل من أشكال الدمج المحلي يُعتبر غير دستوري، وفقًا للفقرة “ط” من مقدمة الدستور اللبناني، التي تنصّ على أن لبنان هو أرض واحدة لجميع اللبنانيين وأنه لا يجوز فرز الشعب على أساس أي انتماء كان. إلاّ أن مرقص، يلفت إلى أن لبنان لم يوقع على اتفاقية اللاجئين العالمية لعام 1951 أو بروتوكول العام 1967 الملحق بها، وليس لديه قانوناً داخلياً مطبّقاً للاجئين، لكنه يلتزم لبنان بضمان الحفاظ على كرامة وحقوق الأشخاص الذين يبحثون عن اللجوء”.
وأمّا لجهة ترحيل السوريين الذين يعبرون بشكلٍ غير شرعي كما يحصل أخيراً، يذكّر مرقص بقرار المجلس الأعلى للدفاع الصادر في 15 نيسان 2019، الذي يقضي بترحيل السوريين الذين يدخلون دون استخدام المعابر الرسمية، والذي يعتمد على انعدام أي سبب للجوء للسوريين بشكل عام.
لكن ما يجدر الإشارة إليه، هو المذكرة الصادرة بتاريخ 9 أيلول 2003، بين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووزير الداخلية والبلديات والمدير العام للأمن العام اللبناني، والتي تنصّ على أن السوريين في لبنان ليسوا لاجئين، وأنهم لا يمكنهم تقديم طلب لجوء إلى لبنان بعد مرور شهرين على دخولهم إلى البلاد.
وعليه، ووفقًا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يمكن للدول طرد الأشخاص الذين ليسوا بحاجة إلى حماية دولية، ومن الواجب على بلدان الأصل استرداد مواطنيها، ويجب أن تتمّ العودة بطريقة إنسانية مع احترام حقوق الإنسان وكرامتهم.
وممّا تقدم، يشير مرقص إلى أن “العمل على إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم بشكل آمن ومنظم، يتمّ من خلال لجنة ثلاثية مشتركة لبنانية – سورية – أممية”.
لكن ما يجب التنبه إليه وفق مرقص، هو أن “السلطات اللبنانية مُلزمة قانوناً بمنح أي مواطن سوري موضوع قرار الترحيل، الوقت الكافي لتقديم الدفاع عن نفسه والإعتراض وتوضيح أسباب عدم رغبته بالعودة إلى سوريا ومراجعة القضاء أو البحث عن بلد آخر للإنتقال اليه، ذلك لأنه متعلق بالقواعد الإنسانية العامة والمحمية بموجب القانون الدولي، حيث تنص في الفقرة “ب” من مقدمة الدستور اللبناني على أن “لبنان عربي الهوية والإنتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء”.
في خضم الإرباك الذي يعيشه لبنان حيال أزمة النازحين السوريين وارتفاع الأصوات المطالبة بالعمل على إعادتهم إلى بلادهم، أتت دعوة الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله لوضع خطة وطنية للضغط فيها محلياً وخارجياً وعدم منع النازحين الذي يريدون الهجرة عبر البحر، من مغادرة لبنان للضغط على أوروبا والمجتمع الدولي.
كلام نصر الله، الذي وإن حمل في طياته دعوة إلى التوحد في هذه القضية، طرح علامة استفهام سياسية وقانونية حيال طرح ترك النازحين لمصيرهم في البحر وتداعيات هذا القرار من الناحية القانونية، إذا اتُخذ، بحيث قد يعرّض لبنان لحصار اقتصادي وسياسي.
ووصف النائب عن حزب «القوات اللبنانية» غياث يزبك طرح نصر الله، بـ«غير مسؤول وتصرف ميليشيوي» عادّاً أنه يحاول بكلامه الضغط على الحكومة للضغط بدورها على المجتمع الدولي لفك الحصار على النظام السوري عبر ربطه الموضوع برفع «قانون قيصر» عن النظام السوري وبدء الإعمار.
ويقول يزبك لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك أن أزمة النزوح تشكل ضغطاً فائقاً وقاتلاً على البلد وتركيبته الديموغرافية ودعوة الحزب إلى الوحدة حول بعض المسائل مطلوب، لكن هذا لا يعفي نصر الله من شراكته للنظام السوري المتسبب بهذا النزف، وهو الذي يسيطر على المناطق المتاخمة للحدود مع سوريا، وبالتالي عليه هو أن يمارس الضغط ليوقف الرئيس السوري بشار الأسد والجيش السوري هذا النزف؛ لأنه بكل بساطة الجيش اللبناني لا يمكن أن يغطي كل الحدود الفالتة».
ويضيف يزبك: «الحكومة بدورها تتحمل مسؤولية، وهي التي تتألف من قوى حليفة للحزب الذي يشارك بها أيضاً، وبالتالي هو مسؤول بنسبة 60 في المائة عن هذه الأزمة وكلامه غير مُجدٍ». ويوضح: «الجزء المقبول من كلامه هو فقط المرتبط بالوحدة الوطنية، أما ما بعد ذلك كل ما قاله غير دقيق وتشخيصه غير واقعي وغير قابل للتطبيق». وأكد: «لا نبرئ المجتمع الدولي مما وصلنا إليه، لكن الدعوة إلى إرسال النازحين إلى أوروبا هو تصرف الميليشيا والدول المارقة، وهذا مصدر اعتراضنا على تصرفات بشار الأسد، ولبنان غير قادر على تحمل تداعيات قرار كهذا، في حين أن المطلوب هو الضغط بطرق دبلوماسية وسياسية على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لمساعدتنا في الحل، وهذا ما يقوم حزب (القوات) به».
أما من الناحية القانونية، فيتحدث المحامي الدكتور بول مرقص، رئيس مؤسسة «جوستيسيا» والعميد في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ، حول هذا الاقتراح، متحدثاً عن ثلاثة مستويات في القانون الدولي، منها أن يكون لبنان معرّضاً لشبه حصار اقتصادي ودبلوماسي.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ثلاثة مستويات في القانون الدولي للتعامل مع خطوة فتح المجال البحري للمهاجرين عبر البحار، إذا اتُخذت، وهي، أن تتعامل الدول الأوروبية، وتحديداً المتوسطية مع هذا الحدث دبلوماسياً وسياسياً لا يرقى إلى مستوى الإجراءات بحق لبنان أو أن تنتقل إلى المستوى الثاني وتتشدد في التعامل معه من الناحية التجارية، أي في ما يتعلق بالاستيراد والتصدير والتحويلات المالية، وصولاً إلى اتخاذ التدابير الديبلوماسية التي تجيزها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية من استدعاء السفراء، وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، وهذا يؤدي إلى شبه حصار على لبنان.
أما المستوى الثالث، فهو رفع القضية إلى مجلس الأمن ليتخذ قراراً تحت الفصل السابع وهذا يعني اتخاذ إجراءات تبدأ بالحصار الاقتصادي وقد تصل إلى اتخاذ تدابير عسكرية بحق لبنان ويكون هنا القرار ملزماً».
وهنا يرجّح مرقص أن «تقتصر الإجراءات الأوروبية على المستوى الأول على الأقل مع بداية تنفيذ القرار اللبناني المطروح، بحيث يكون لذلك تأثير قليل المدى على لبنان لا يصل إلى حدود قطع التعامل معه أو الإضرار به»، مشيراً إلى أنه «ربما تكون ضارة نافعة من وراء خطوة كهذه بحيث يفرض لبنان وتحت وطأة الهواجس الأوروبية ما يناسب مصلحته لناحية إعادة النازحين ووقف التمويل لعدد منهم مقابل إبقائهم وإدماجهم في المجتمع اللبناني».
وكان نصر الله قد دعا مساء الاثنين إلى خطة أو استراتيجية وطنية لحملها إلى العالم والضغط من أجل تبنيها على حكومة تصريف الأعمال، وعلى مؤسسات الدولة، وعلى الجيش اللبناني، وعلى القوى الأمنية وعلى البلديات وعلى المجتمع، طارحاً فكرة عدم منع النازحين من مغادرة لبنان في البحر إلى أوروبا.
وسأل «لماذا تمنعونهم؟ وعندما تمنعونهم ويذهبون تهريباً، فيضطروا إلى أن يركبوا بهذه المراكب المطّاطية وكل يوم يومين ثلاثة عندنا مصيبة وغرق في البحر»، ولفت إلى فكرة مطروحة تقضي بـ«أن اتركوا الموضوع ودعوهم يصعدوا بالسفن وليس فقط بالمراكب المطّاطية، والقول لمن يرغب من النازحين السوريين أن يُتاح لهم الفرصة وأن يركبوا السفن وأن يتّجهوا إلى أوروبا»، وأضاف: «هذه الفكرة يقول من يتبناها إنها ستؤدي إلى نتيجة حتمية، وهي أن الدول الأوروبية سوف تأتي خاضعةً إلى بيروت، إلى السراي الحكومي لتقول للبنانيين ماذا تريدون لتوقفوا هذه الهجرة للنازحين باتجاه أوروبا…».
من دون أي شكّ، إن ال#تعاميم المتنوّعة التي أصدرها مصرف لبنان بعد الأزمة النقدية عام 2019، أنتجت سلسلة مخالفات في تطبيق الإجراءات، ارتكبها بعض ال#مصارف بحجة شحّ العملة الصعبة، واتساع حجم المصاريف، مستفيداً من غياب كلّي للجنة الرقابة والحملة الموجهة ضدّ “المركزي”.
يقول حاكم مصرف لبنان بالإنابة الدكتور وسيم منصوري: “ليس هناك مصرف مركزي في العالم يصدر تعاميم لإنقاذ أزمة مالية. التعاميم الصادرة مؤقتة ولم تصدر لتكون مكان الدولة”.
في المفهوم القانوني، جميع التعاميم التي صدرت عن مصرف لبنان بعد تشرين الأول 2019، خصوصاً المتعلقة منها بسقف السحوبات من الودائع بالعملات الأجنبية وتحويلها كلياً أو جزئياً إلى الليرة اللبنانية على أسعار صرف للدولار أقل من المعدلات الواقعية المتعامَل بها، هي تعاميم غير دستورية. كانت نتيجتها اقتطاعات ضخمة ناهزت أكثر من 80 في المئة للتعويض عن خسارات المصارف، وأيضاً خسارة مصرف لبنان، ما أثار انتقاد بنك التسويات الدولية لانعكاساتها التضّخمية.
فهي من وجهة نظر أحد خبراء المال “تمسّ بالملكية الفردية وبالاقتصاد الحرّ، وتداعياتها ستدوم على مدى أجيال بعد فقدان الثقة بالقطاع المصرفي الذي كان يعتزّ به لبنان أمام المحافل الدولية، كونه شكّل رافعة مهمّة في الاقتصاد، جذب الودائع الخليجية والأجنبية، حتى في غمرة الأزمة العالمية المالية عام 2008.
كما أنها تخالف بشكل صارخ المادة 307 من قانون التجارة التي تشير صراحة إلى حقّ المودع باسترداد وديعته بقيمة معادلة لها”.
يقول منصوري: “لن أقف بوجه المودع لأخذ وديعته على سعر 90 ألفًا بالليرة اللبنانية إذا لحظت ذلك موازنة 2024”.
الليرة اللبنانية فقدت 97 في المئة من قيمتها. وللأسف، القطاع المصرفي يوصّف من قبل الداخل والخارج بأنه بات قطاع زومبي، والأسواق المالية والمصرفية تحوّلت إلى أسواق صرافة وصيرفة غير نظامية.
وحتى تاريخه لم يجرؤ منصوري الذي تشجّع وأعلن رفضه إقراض الدولة من أموال المودعين، بعدما تم شفط القسم الأكبر منها في وقت سابق، على وقف العمل ببعض التعاميم ولاسيما التعميم 151، عمّم على المصارف مؤخراً بوجوب عدم أخذ أي عمولات أو رسوم على السحوبات بموجب التعميم رقم 158.
ولكن “على من تقرأ مزاميرك يا منصور” ؟
ثمة تفهّم واضح أن المصارف ليست جمعية خيرية. “ولتغطية النفقات الضرورية للمحافظة على الودائع وتأمين السحوبات، فهي ملزَمة باقتطاع نسبة محددة وتسجيل عمولات”، كما يدافع مصدر مصرفي. إلاّ أن الحقيقة في مقلب آخر؛ فالمصارف حققت أرباحاً لم تفصح عنها من خلال صيرفة التي كانت لخدمة كبار المدراء والموظفين فيها على حساب المودعين.
وبالإضافة إلى العمولات بالفريش دولار، ما زالت تحصّل المصارف فوائد على سندات الخزينة بالليرة. إقفال الفروع، وصرف الموظفين بشكل ناشط، وتقليص عملياتها، تدابير تخفّف من حجم نفقاتها مع تراجع تكاليف انفلاش خدماتها.
قد يكون بعض أصحاب المصارف ضحيّة السياسات الحكومية والمالية والنقدية، ولكن لا يمكنها اقتناص العمولات على كل الأموال الخارجة والداخلة إلى فروعها بحجة المصاريف التشغيلية.
في الماضي أو الزمن الجميل، كانت جمعية المصارف تضع الحد الأدنى للعمولات الواجب على المصارف تقاضيها. والأخيرة كانت تُعفي عملاءها من الكثير من العمولات، أو تتقاضى بدلاً رمزياً.
لكنّ الأزمة نزعت عن المركزي دوره كضابط إيقاع. وجمعية المصارف أمام تشعّب مشاكل القطاع، اختارت الحياد وعدم التدخل بأي شأن داخلي.
ويبقى من الأسئلة المطروحة: هل يجوز للمصارف مخالفة تعاميم “المركزي”؟ ولماذا لجنة الرقابة على المصارف مغيّبة ولم نشهد لها أي تدبير يثبت حضورها؟
وفق توضيح لرئيس مؤسسة جوستيسيا الحقوقية والعميد في الجامعة الدولية للأعمال في ستراسبورغ المحامي الدكتور بول مرقص لـ”النهار”، أنه “بمقتضى قانون النقد والتسليف فإن عدم تقيّد المصارف بالتعاميم الصادرة عن مصرف لبنان يعرّضها للعقوبات المنصوص عنها في القانون المذكور، حيث إن المادة 208 منه تنصّ على أنه “سواء خالف مصرف أحكام نظامه الأساسي أو أحكام هذا القانون أو التدابير التي يفرضها المصرف المركزي، بمقتضى الصلاحيات المستمدة في هذا القانون، أو قدّم بيانات أو معلومات ناقصة، أو غير مطابقة للحقيقة، يحقّ للمصرف المركزي أن يُنزل بالمصرف المُخالف العقوبات الإدارية التالية: التنبيه، خفض تسهيلات التسليف المُعطاة أو تعليقها، تعيين مراقب أو مدير مؤقت، شطبه من لائحة المصارف. ولا يحول ذلك دون تطبيق الغرامات والعقوبات الجزائية التي يتعرّض لها المصرف المخالف”.
ويتابع مرقص “خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تمرّد عدد من المصارف على التعاميم الرقابية وتجرأ على مخالفتها غير آبه بسلطة مصرف لبنان التي لا بد أنها ضعفت نتيجة الأزمة المذكورة والحملات التي استهدفت “المركزي ” وأداء الحاكمية. وإن العميل الذي يقع ضحية هذه الممارسات المصرفية ليس له عملياً أي مجال جدي للتظلّم، إذ أن قسم الشكاوى المُنشأ في المصارف اللبنانية بموجب التعميم رقم 281 هو على الغالب مجرّد “فولكلور”.
وكذلك، فإن الرجوع إلى لجنة الرقابة لا يؤدي الغرض منه، لأن الهيبة التي كانت للمصرف المركزي ساطعة قبل الأزمة، اضمحلّت مع مرور 3 سنوات”.
يذكر في هذا السياق، أن لجنة الرقابة على المصارف وجّهت التعميم الرقم 281 إلى المصارف وهو يتضمّن “أصول إجراء العمليات المصرفية المالية مع العملاء” وفيه، أنه “استناداً إلى تعميم مصرف لبنان الرقم 134 الصادر في 12 شباط 2015، بما ينصّ على أن “يُنشئ كل مصرف وحدة مختلفة لمتابعة معاملات وشكاوى الزبائن، تكون مستقلة تتبع مباشرة للمدير العام للمصرف، وتملك الصلاحية الكاملة في التعامل مع الأطراف المعنية كافة، وحق الاطلاع على جميع الوثائق والتقارير والمعلومات الضرورية لتنفيذ مهامها. أما المصرف المخالف للتعميم فيتعرض للعقوبات المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف”.
ولكن للأسف، “معظم هذه الوحدات شبه معطلّة. والمصارف بدل ترتيب أوضاعها واستعادة ثقة المودعين بها، تسترسل في الاستنسابية من أجل تعويض خسائرها من الفوائد على التسليفات، على غرار التاجر الذي يعود للتفتيش في دفاتره القديمة عندما يصبح مفلساً، وفق مرقص. كما أن القطاع المصرفي “لن يتعافى إذا لم تتم المصالحة مع المودع. لا قطاع مصرفياً بدون مودع. يجب العمل على إعادة ثقة المودع بالقطاع المصرفي للنهوض بالاقتصاد”، ولكن متى تأتي الساعة في ظل هذا الاستهتار؟!
لا تخلو البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية، ولا خطاب القسم للرؤساء المتعاقبين على الحكم ولا حتى برامج وزراء العدل، من تخصيص بند أساسي يتعهّد بالعمل على «استقلالية القضاء وتكريسه سلطة مستقلة توازي السلطتين التشريعية والإجرائية». لكن الوعود شيء والواقع شيء آخر، فالقضاء اللبناني يعيش أسوأ مرحلة في تاريخه، لا يكفيه تدخّل السلطة السياسية الفاضح في عمله، ودورها في تعيين المقربين والأزلام في المواقع الحساسة، ليكونوا أبرز أدواتها للحكم ولتنفيذ القانون بصورة استنسابية، بل جاءت الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية لتصدّع المؤسسة وتنذر بانهيار هيكل العدالة على رؤوس الجميع.
لطالما كان المنصب القضائي حلماً يراود كلّ فتاة وشاب لبناني من حملة شهادة الإجازة في الحقوق، لكنه لم يعد كذلك اليوم، إذ يتوق معظم القضاة إلى الاستقالة «والنزوح الجماعي» إلى خارج البلاد، بحثاً عن حياة كريمة لهم ولأسرهم وأبنائهم.
الأسباب التي تحمل هؤلاء على ذلك كثيرة، منها أن القاضي لم يعد صاحب سلطة، بل يكاد بعضهم لا يحكم «باسم الشعب اللبناني» بل باسم المرجعية السياسية التي عيّنته في منصبه.
الأدلة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى، يكفي الإشارة إلى تعطيل التحقيق في ملفّ انفجار مرفأ بيروت، وتقويض ملفات المصارف اللبنانية والبنك المركزي والحاكم السابق رياض سلامة، وعرقلة مسار التحقيق بأحداث الطيونة التي وقعت بين مسلحين من «حزب الله» وحركة «أمل» وآخرين من أبناء منطقة عين الرمانة، وقضايا الاغتيال والتصفيات السياسية… وآخرها مقتل المسؤول في حزب «القوات اللبنانية» إلياس الحصروني في بلدة عين إبل الجنوبية، والإعلان الصريح من الأجهزة الأمنية بأنها لم تعد قادرة على التقدّم بالتحقيق.
يعترف مصدر قضائي لبناني بارز بأن «مشكلة القضاء باتت بنيوية أكثر مما هي معنوية ومالية واقتصادية»، وأطلق صرخة تحذّر من «محاولات حثيثة لتدمير القضاء وهدم بنيان العدالة، بدل تعزيزها وحمايتها».
المصدر الذي طلب إغفال اسمه أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الصورة سوداوية جداً، وإذا بقيت الأمور على حالها حتى نهاية العام الحالي سنشهد هجرة جماعية للقضاة ستفاجئ الجميع». وكشف عن أن «كل قاضٍ بدأ يبحث جدياً عن فرصة للمغادرة، والعشرات منهم أرسلوا ملفاتهم وسيَرهم الذاتية إلى مؤسسات حقوقية وجامعية ومحاكم عربية ودولية للالتحاق بها طلباً للعمل والحياة الكريمة، بدل انتظار راتب شهري في لبنان لا يتعدّى الـ500 دولار أميركي حالياً».
تتباين المواقف حيال التصعيد القضائي واللجوء إلى الاعتكاف، وترى مصادر سياسية أن أزمة الانهيار المالي وفقدان القضاة 90 في المائة من قيمة رواتبهم ينسحب أيضاً على النواب والوزراء. إلا أنّ المصدر القضائي رفض هذه المقاربة، وأكد أن «النواب والوزراء بمعظمهم رجال أعمال ومتمولون وأصحاب شركات، لا يتأثرون بالأزمة، بينما ليس لدى القاضي سوى راتبه الشهري». وأردف: «لا يجوز التشبيه بين السياسي الذي يستطيع العمل في التجارة وأي مجال آخر، بينما لا يملك القاضي أي دخل مالي غير الراتب». وشدد على أن «كلّ ما تبلّغه القضاة خلال انعقاد الجمعية العمومية قبل عشرة أيام، عبارة عن وعدٍ بتغطية المساعدات التعليمية لمدة خمسة أشهر كحدٍ أقصى، بالإضافة إلى وعد بالبحث عن شركة تأمين خاصّة للتعاقد معها، لتغطية النفقات الطبية والاستشفائية، لكنّ للأسف لا شيء مؤكد».
من جهته، يحاذر وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال القاضي هنري الخوري، وصول الأزمة القضائية إلى مرحلة اللاعودة، ويضع في أولوياته معالجة الأسباب التي أوصلت القضاة إلى هذه المرحلة من الاحتقان والتصعيد.
ويجزم مصدر بارز في وزارة العدل بأن الوزير «يفعّل لقاءاته واتصالاته برئيس الحكومة (نجيب ميقاتي) وبالمراجع القضائية لتبديد الهواجس التي تعتري الجسم القضائي». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: إن الوزير الخوري «يتحسّس صعوبة ما يعانيه زملاؤه القضاة، يأخذ مطالبهم على محمل الجدّ ويبذل كل جهد لوصول القضاة إلى حقوقهم دون منّة من أحد».
ثم يشير إلى أن الخوري «توصل مع المعنيين إلى اتفاق إنجاز عدد من الأمور التي تريح القضاة، سواءً بما خصّ التقديمات الاجتماعية من استشفاء وتعليم، أو بما يخص التقديمات المنح المالية من صندوق تعاضد القضاة»، كاشفاً عن أن «الأزمة سمحت بالبحث عن مداخيل مالية لصندوق القضاة، وبالفعل، بدأت تحصيل هذه الإيرادات التي سيلمس القضاة نتائجها في وقت قريب».
اليوم، لا أحد يحسد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبّود، على منصبه. إذ إن الرجل الذي سعى لأشهر طويلة على إنهاء الاعتكاف السابق بتلبية جزء يسير من حقوق القضاة، عاد ليواجه أزمة مستجدّة برزت مع إعلان مفاجئ لأكثر من 100 قاضٍ توقفهم الفوري عن العمل حتى تتوفر مقومات الحياة الكريمة لهم. ويبدو أن القاضي عبّود لن يقبل هذه المرّة بالعودة إلى شلّ القضاء وتعطيله، فرسالته كانت واضحة للقضاة خلال الجمعية العمومية التي انعقدت في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي؛ إذ كشف قاضٍ شارك في الاجتماع المغلق لـ«الشرق الأوسط» عن أن رئيس مجلس القضاء «بدا مقتنعاً جداً بأحقية مطالب القضاة المعنوية والمادية والاجتماعية وحتى اللوجيستية». وأشار القاضي (أيضاً طلب إغفال اسمه) إلى أن عبود «ذهب أبعد للقول إن وضع قصور العدل صعب ولا يحتمل، وإنه متفهّم لعمل القضاة بظروف صعبة جداً، بلا كهرباء ولا ماء ولا قرطاسيّة. ولكن من غير المقبول العودة إلى إقفال قصور العدل والمحاكم والدوائر القضائية وتعطيل مسار العدالة، فحقوق الناس مقدسة وهي أمانة في عنق كلّ قاضٍ».
ولفت القاضي إلى أن عبود «تمنّى على القضاة الذين توقفوا عن العمل التراجع عن قرارهم وتجنب توسيع دائرة الاعتكاف، ودعا القضاة ليكونوا على قدر قسمهم لأنهم وحدهم الضمانة الحقيقية لبقاء البلد».
ما يستحق الذكر، أنه لم يسبق لقضاة لبنان أن استنكفوا عن أداء رسالتهم ولا تخلّفوا عن إصدار الأحكام والقرارات القضائية. إلا أن الأزمة الراهنة قلبت الأمور رأساً على عقب، وبات الإضراب والاعتكاف السلاح الأخير الذي لا بدّ من اللجوء إليه. وهنا يرى القاضي غالب غانم، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، أن «وضع القضاء اللبناني يتأثر سلباً بالوضع السائد في البلاد، وفي غياب أركان دولة القانون، فإن العاصفة التي تضرب لبنان تهدّد بتقويض القضاء حتى لو كانت إرادة القضاة حديدية».
غانم أعرب لـ«الشرق الأوسط» عن أسفه لـ«تمادي تدخلات السياسية بالسلطة القضائية، وكأنهم (السياسيون) يعتقدون أنهم يحققون مكاسب على أرض القضاء، إلّا أن أي تدخل في القضاء سيرتدّ سلباً على البلد ككل». وأضاف: «في السابق كانت التدخلات السياسية سريّة أو غير منظورة، أما اليوم فغدت حدود التدخل مباحة».
وتطرّق غانم إلى «إهمال متعمّد للمرفق القضائي»، وقال: «صحيح أن البلد منهار اقتصادياً ومن واجب القاضي أن يضحّي كغيره، لكن هناك حدّاً أدنى من الحقوق. نحن لا نطلب أن يكون وضع القاضي كما كان قبل الأزمة، إلا أننا نرى وجوب تأمين الحدّ الأدنى أقلّه في التقديمات الاستشفائية والتعليمية حتى يصمد القاضي ويواصل أداء رسالته»، داعياً السلطة السياسية إلى «النظر في وضع القضاء من زاوية خاصّة، حتى تبقى الإنتاجية القضائية قائمة».
بموازاة الأزمة الاقتصادية، يعاني القضاء أزمة معنوية، عبر حملات تطاله عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً في الفترة التي رافقت مرحلة الاعتكاف الأخيرة وما تلاها. وهنا يلاحظ القاضي غانم «وجود نظرة عدائية من المجتمع تجاه القضاء، وهذا أمر خطير جداً… وحتى إذ كان هناك اعوجاج لدى بعض القضاة القلائل جداً، لماذا استهداف مؤسسة القضاء بشكل عام؟… لماذا التعاطي الإعلامي مع القضاء بشيء من السخرية والتهكّم، بما يرتدّ سلباً على الناس وملفاتهم؟».
الرئيس السابق للسلطة القضائية لا ينكر تأثر بعض القضاة بالتدخلات السياسية. ويوضح: «للأسف، بدل أن يأتي السياسيون إلى القضاء، ثمة قضاة يذهبون إلى أهل السياسة للتقرّب منهم، وهذا غير جائز… فبمجرد لمس السياسيين رفض القضاة لمطالبهم سيتوقف التدخل بعمل السلطة القضائية»، وبالتالي لا تتحوّل بعض الدوائر القضائية إلى دوائر سياسية».
وبينما لا يخفي غانم أن «عدم إقرار القوانين التي تكرّس استقلالية السلطة القضائية تؤثر سلباً على الواقع القضائي» فهو يأمل بأن «تحصر التشكيلات القضائية بيد مجلس القضاء الأعلى وحده، من دون الحاجة إلى مرسوم، فالقضاء قادر لوحده تولّي هذه المهمّة».
على صعيد متصل، يعاني مرفق العدالة في لبنان من تدّني عدد القضاة بسبب إحالة العشرات منهم في السنوات الأخيرة على التقاعد، واستقالة البعض الآخر وتقديم بعضهم طلبات استيداع (العمل في الخارج مؤقتاً)، وإقفال الباب أمام امتحانات اختيار قضاة جدداً لمعهد الدروس القضائية.
أيضاً يعزو القاضي غانم أسباب النزف القضائي إلى «تحطّم المعنويات لدى الكثير من القضاة؛ ما دفع بأعداد منهم إلى طلب الاستيداع، والبعض إلى الاستقالة ومغادرة البلاد، وهذا يهدد وضع القضاء». ثم يختم: «إذا لم نذهب إلى حلول سريعة لأزمة القضاء سنكون أمام مرحلة سوداوية… انهيار القضاء له تداعيات خطيرة على الدولة والمؤسسات وعلى الشعب اللبناني ككل؛ ولذا لا بد من تحرّك سريع واجتراح الحلول حتى لا نصل إلى الأسوأ».
من جانب آخر، لا يفصل المحامي الدكتور بول مرقص، رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية، بين أزمة القضاء والتفكك الذي يصيب مؤسسات الدولة في لبنان. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «لا يمكن الحديث عن القضاء بمعزل عن حال البلد المترهلة أخلاقياً واقتصادياً ومالياً، إلا أنه يقتضي إيلاء فساد بعض القضاء اهتماماً خاصاً لأهمية موقعهم للفصل في الحقوق والحريات».
وفي انتقاد حاد للدولة «التي تخلّت عن حقوق القضاة»، يقول مرقص: «ما دامت رقاب الناس وحقوقهم في أيديهم (القضاة) لا يجوز تركهم عرضة للعوز والضغط السياسي عليهم». ويتابع: «الإصلاح يبدأ باعتماد القضاة شرعة أخلاقية يلتزمون بها افرادياً عند تبوء مناصب سياسية بعد تركهم القضاء، وذلك كي لا يسعوا إليها فيأتمروا بالسياسيين إبان عملهم القضائي، مروراً بتعديل مجلس النواب المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي لجعل التشكيلات القضائية نافذة دون تدخل الحكومة، على اعتبار أن اقتراح قانون استقلال السلطة القضائية المطروح حالياً بصياغته الحالية هو معقد وغير قابل للإقرار».
ختاماً، لا جدوى من الرهان على أهل السلطة لإصلاح الوضع القائم، ما دام أن الكارثة التي يعيشها لبنان هي نتاج السياسات التي اتبعوها على مدى العقود السابقة. ويشدد المحامي مرقص على أن «الحل في لبنان يكمن في القضاء على طريقة حملة الأيادي النظيفة في إيطاليا التي حاربت طبقة سياسية أكثر فساداً من لبنان ونجحت في ذلك». ويرى مرقص أن «الحل الثاني هو في تسلّم الجيش اللبناني للحكم، وهذا أمر غير ديمقراطي ولا يستقيم في بلد كلبنان». ثم يضيف: «المطلوب للوصول إلى ذلك تدعيم وضعية القضاة اجتماعياً، مقابل تقديمهم تضحيات تمليها عليهم رسالتهم أصلاً… والسؤال: من سواهم (القضاة) تقع عليهم مسؤولية مكافحة الفساد؟ من سواهم بإمكانه إخضاع السياسيين لحكم القانون؟ من سواهم يعطي الإشارات للأجهزة الأمنية؟… الحل يبدأ بالقضاء وينتهي بمعاقبة الفاسدين واسترداد أموال الفساد».
بعد أكثر من عام على جمود التحقيق في انفجار مرفأ بيروت نتيجة طلبات الرد المتقابلة، وقع 67 نائباً عريضة وجهوها للأمم المتحدة تزامناً مع انعقاد دورها الـ78، للمطالبة بتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية حول الملف. فما هي آفاق هذه الدعوة؟ وكيف ستكون طبيعة علاقتها مع السلطات القضائية اللبنانية في حال تشكلها؟
عن هذه الأسئلة، أجاب رئيس مؤسسة جوستيسيا الحقوقية وعميد كلية العلاقات الدولية في الجامعة الدولية في ستراسبورغ- فرنسا، د. بول مرقص، مؤكداً أن “تشكيل هذه اللجنة يعتبر أمراً مهماً في مسار العدالة الجنائية الدولية، وهي تؤسس لإمكانية إجراء تحقيق إضافي، وصولاً للمحاكمة على المستوى الدولي.
وفي حوار مع “حدث أونلاين”، لاحظ د. مرقص أنه إذا لم يقترن ذلك بقرار لمجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، فلا إلزام للدولة اللبنانية عندئذ، التي تستطيع دائماً أن تحتج بالسيادة القانونية لمجابهة هذه الإجراءات الدولية وتتملص منها.”
وفي سبيل التعاون بين العدالة الدولية واللبنانية، اقترح د. مرقص أن يصار إلى رفد التحقيق اللبناني بالتحقيقات الدولية، مع الإبقاء على صلاحية المجلس العدلي في المحاكمة، بما يعني وجود صلاحية مختلطة بين القانونين اللبناني والدولي، لدفع التحقيق قدماً للوصول إلى نتائج ملموسة، توضع على طاولة المجلس العدلي. وهكذا لا يكون هناك أي انتقاص من السيادة القانونية اللبنانية بل تعزيزها بخبرات وزخم دولي من شأنه أن يوصل التحقيق إلى خواتيمه، وبذلك تنتزع ذريعة مهمة من الداعين إلى الحفاظ على السيادة القانونية لإطفاء التحقيق.